شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٨٠ - الباب التاسع باب القدرة إشارة الى معنى«القدرة» لغة و اصطلاحا
استحقاقيّة الماهية من دون طلب ذاتيّ للوجود، و اللّه سبحانه في هاتين الصورتين أي الوجوب و الإمكان إن فعل فبجوده و كرمه و أن لم يفعل فبعدله و اختياره.
ثمّ انّ النزاع المتوهّم من أصول الحكماء و قواعد أصناف المتكلّمين فمنشؤه عدم اطّلاع أنصار الطرفين على حقيقة ارتباط المعلول بالعلّة، و قيّوميّتها له، و نسبة الخلق الى الخالق، و صدوره عنه، فمن ذلك النزاع الواقع بين الحكماء و المتكلّمين من إلزام الطائفة الأخيرة على الأوّل انّهم لا يقولون بشمول قدرته تعالى كلّ شيء، فانّ الحكماء مصرّحون بأنّ الشيء الذي له معنى ما بالقوة، كقاطبة قاطبي [١] عالم الإمكان يمتنع أن يكون مخرجا لمثله الى الفعل، و كذا الخلافات التي بين المتكلّمين من انّه هل هو قادر على فعل القبيح أو لا، و هل هو قادر على مثل أفاعيل العباد أم لا، و انّه هل هو قادر على عين أفعال العباد أم لا، انّما نشأ ممّا قلنا، و إذا سمعت ما سيتلى عليك في أواخر هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى، من الحديث القدسي: «يا بن آدم بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء و بنعمتي قويت على معصيتي» [٢] و من قول أمير المؤمنين- عليه السّلام- للسائل بعد ما جرى بينهما ما حاصله:
أخبرني هل يستطيع باللّه، أو مع اللّه، أو من دون اللّه، فاختار السائل الأوّل، فقال- عليه السّلام-: لو قلت غير هذا لضربت عنقك [٣]، فقد جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.
و أمّا الجدال الواقع بين أهل الملل و أرباب الآراء من عينية هذه الصفة و زيادته و قدمه و غيرها ممّا دارت و شاعت الفتنة في الآخرين بسببه، فقد نشأ من العمى عن الحقّ، أو التعامى، و قد سبق في تضاعيف الكلمات السوابق ما يكتحل به البصير لرؤية الحقائق، و سيجيء عودا ثانيا في باب الأسماء و الصفات إن شاء اللّه، و اللّه وليّ الخيرات.
[١] . قاطني: قاطبي د.
[٢] . التوحيد، باب المشيّة، ص ٣٣٨ و ٣٤٤.
[٣] . نفس المصدر، ص ٣٣٧ و فيه: «لضربت الذي فيه عيناك».