شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٥٠ - المنهج الثاني في تحقيق محل الجنة و النار
خلق لها خلق العالم كلّه، فما من شيء إلّا و يسبّح بحمده. و لمّا وصل الوقت المعين في علمه لإيجاد هذا الخليفة بعد أن مضى من عمر الدنيا سبع عشر ألف سنة و من عمر الآخرة التي لا نهاية له في الدّوام ثمان آلاف سنة، أمر اللّه بعض ملائكته أن يأتيه بقبضة من كلّ أجناس تربة الأرض، كما علم [١] من الحديث»- انتهى. و انّما أطنبنا في ذكر هذا المذهب، لأنّ أكثر العلماء من المحقّقين و العرفاء ذهبوا إليه و توغّلوا فيه. و اللّه أعلم بحقائق الامور.
و اعلم، انّ صاحب إخوان الصفاء و من تبعهم اختاروا كون الجنّة و النار في هذا العالم، و زعموا انّ جهنم هي عالم الكون و الفساد، أي الطبيعة التي تحت السماء الدنيا، و انّ الجنّة هي عالم الأفلاك. قال في بعض رسائله من حال النفس [٢]: «إذا كان عشقها هو الكون مع هذا الجسد، و [معشوقها] [٣] هذه اللذات المحسوسة المحرقة الجرمانية، و شهواتها هذه [الزينة] [٤] الجسمانية، فهي لا تبرح من هاهنا و لا تشتاق الصعود الى عالم الأفلاك، و لا تفتح لها أبواب السماوات، و لا تدخل الجنة مع زمر الملائكة، بل تبقى تحت فلك القمر سائحة في قعر هذه الأجسام المستحيلة المتضادّة تارة من الكون الى الفساد و تارة من الفساد الى الكون: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ [٥] لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً [٦] ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ [٧] و يروى عن رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- انّه
[١] . علم من الحديث: في خبر طويل معلوم عند الناس (الفتوحات).
[٢] . رسائل اخوان الصفا، ج ١، ص ١٣٧- ١٣٨ (الرسالة الثالثة من قسم الرياضي في النجوم، فصل في تجرد النفس و اشتياقها).
[٣] . معشوقها (رسائل): معشوقاتها م ن د ر ب س.
[٤] . الزينة (رسائل): الدنية م ن د ر ب س.
[٥] . النساء: ٥٦.
[٦] . النّبأ: ٢٣.
[٧] . هود: ١٠٨.