شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٨٠ - الحديث السابع أدلة عدم إمكان رؤيته تعالى
أمّا بيان الاستدلال الأوّل، فهو انّا وجدنا العين الحاسّة تبصر الشيء إذا كان بينها و بينه هواء ينفذ نورها فيه الى أن يصل المرئي، و إذا لم يكن توسّط ذلك الهواء لم يتحقّق الإبصار، و هذا واضح بحكم العادة، مع انّ البرهان يعاضده، و ذلك لأنّ الإبصار انّما يكون للشيء الخارج عن النفس بقوّة جسمانية بالضرورة، و لمّا كان الإدراك وصولا لا محالة فالقوى الجسمانية انّما تدرك الشيء إمّا بوصوله إليها أو بوصولها إليه، و الأوّل يحتاج الى حركة الشيء أو ما في حكمه، و الثاني يفتقر الى حركة القوّة أو شيء منها، و لمّا امتنعت حركة القوّة بالضرورة بقي أن يكون بحركة أمر من القوّة، و لا معنى للحركة هاهنا الّا الأينية، فوجب من ذلك أن يتوسط الهواء البتّة و هو المطلوب. و على مذهب من ينفي الانطباع كما يظهر من هذا الخبر، نقول [١]: فالإبصار انّما يكون من القسم الذي يتحرّك من القوة شيء الى أن يصل بالمرئي؛ أمّا على مذهب القائل بخروج الشعاع فظاهر، و أمّا على القول بتكيّف الهواء بكيفية نوريّة مفاضة من النفس فكذلك، لأنّ الإفاضة تدريجية؛ أو نقول لمّا كان الإدراك: إمّا بوصول المدرك بالكسر الى المدرك بالفتح، أو بالعكس من ذلك، و الإبصار لا يمكن أن يكون من القسم الأوّل لأنّ القرب المفرط مانع من هذا و الإدراك فكيف بالمماسّة و الوصول، فيجب أن يكون من القسم الثاني و بالبعد المعتدل. و لمّا كانت القوّة جسمانيّة فالبعد عنها يكون بتوسّط بعد جسماني سواء كان المرئي جسما أو غير جسم الى أن يثبت انّه لا يمكن أن يكون غير جسم.
فإن قلت: حال الروائي و المرئي في البعد الفضائي بينهما، مختلفة، فانّه قد ينقطع الهواء عن الرائي و المرئي في البعد الفضائي بينهما مختلفة، فإنّه قد ينقطع الهواء عن الرائي دون المرئي، و مع ذلك تتحقّق الرؤية كما في رؤية اللّه تعالى الأشياء. و لأجل هذا ذهب الأشعري الى إمكان تحقّق الرؤية بالعكس من ذلك، فجوّز أن يرى الإنسان ربّه مع انقطاع الهواء عن المرئي.
[١] . نقول: يقول م د.