شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٧٦ - الحديث السادس في ان العيون لم تره بمشاهدة العيان و القلوب رأته بحقائق الإيمان
أمرا آخر، و الّا لكانت متقدّرة [١]، و لا وزر، بل هي بكلّها قوة واحدة فهي مبصرة بعين كونها سامعة، و انّها لامسة بعين كونها ذائقة، شامة و عاقلة بعين كونها مدركة كذلك، لكن لم يكن إدراكها للمحسوسات الخارجة عن ذاتها نحوا من الخروج إلّا بظهورها حسب ما تظهر تلك المحسوسات، و ذلك لمناسبة بين المدرك و المدرك في موطن الإدراك جعلت لظهورها مظاهر هي كوّات الحواس و شبائك هي حبائل الاقتناص، و الّا فهي مبصرة بكلّها، سامعة بكلها، مدركة بجميع الإدراكات بتمام ذاتها، و بهذه الجمعية وردت في شأنها من مدينة العلم و بابه: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» و بالجملة، فهي بذاتها قوة باصرة و سامعة الى غير ذلك من القوى، لكن إذا قيست تلك الإدراكات الى ما هو خارج عنها و من سنخ عالم الأجسام فلا بدّ أن يكون بتلك المشاعر و الآلات المناسبة لهذا العالم، و إذا اعتبرت الى ما هو في ذاتها و من سنخ العالم الأعلى فهي بنفس ذاتها المحيطة بالأشياء الواسعة لمجالي أنوار ربّها، حيث لم يسعه أرض و لا: سماء الّا قلوب عباده الّتي لذلك خلقها، ففي عالمها مبصرات و مسموعات بهيّة و ملموسات و مذوقات و مشمومات شهيّة، و بذلك يتصحّح الجنّة العالية، و إن كانت دونها جنة سافلة لأرباب السعادات البدنية يكون قطوفها دانية.
ثمّ انّ الناس مختلفة المراتب و الدرجات في التخلّص عن مضيق الماديّات:
فبعضهم من قبيل البهائم، و إن كانوا علماء متبحّرين من أرباب العمائم، فلم يرتقوا من و هذه الحس الى جبال القدس، و لم يتخلّصوا من مطمورة الجسم الى فسحة عالم الذوق و الطرم [٢]، و ذلك مبلغهم من العلم؛ فهؤلاء لم يتفطّنوا برؤية غير الإحساس، و لا بمرئيّ سوى المحسوس، فلذلك أبطلوا الرؤية الواردة في الآيات و الأخبار بمعناها، و أثبتوا العلم اليقيني مجراها، و أوّلوها بالعلم و المعرفة، و أين ذلك من الشهود و الرؤية؟! و طائفة أخرى لم ينالوا من النفس مقام الفتوح، و لم يصعّدوا
[١] . متقدّرة: متعدّة م ن د ب ر.
[٢] . الطرم: الشّهد و هو العسل ما دام لم يعصر من شمعه.