شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١١٤ - تفسير سورة الإخلاص عند ابن سينا
الكلام هكذا: الهوية التي لا شرح لها. انّما ترك في تعريفها ذكر المقوّمات و اقتصر على ذكر اللّوازم و هي الإلهيّة لغاية وحدتها و كمال بساطتها التي تتقاصر العقول عن اكتنافها و الوقوف دون مبادئ إشراق أنوارها.
و منها، انّ هوية المبدأ الأوّل لها لوازم كثيرة، و تلك اللّوازم مرتّبة، فانّ اللوازم معلولات، و الشيء الواحد الحق البسيط من كل وجه لا يصدر عنه أكثر من واحد الّا على الترتيب النازل من عنده طولا و عرضا؛ و لأنّ اللازم القريب أشدّ تعريفا من اللازم البعيد: فكون الإنسان متعجّبا أعرف من كونه ضاحكا و لهذا من أراد تعريف ماهية من الماهيات بشيء من لوازمها، فمهما كان اللّازم أقرب كان التعريف أشدّ».
ثمّ قال: «و لنذكر الكلام على نمط آخر أشدّ تحقيقا: و هو انّ اللازم البعيد عن الشيء لا يكون معلولا للشيء حقيقة بل يكون معلولا لمعلوله، و الشيء الذي لا سبب له لا تعرف حقيقته، و الشيء ذو السبب لا تعرف حقيقته الّا من جهة العلم بأسبابه، و بهذا التحقيق لو ذكر شيء من لوازمه البعيدة لم يكن ذلك التعريف تعريفا حقيقيا، بل التعريف الحقيقي هو أن يذكر في التعريف اللّازم القريب للشيء الذي يقتضيه الشيء لذاته لا لغيره، و المبدأ الأوّل لا يلزمه لازم أقدم من وجوب الوجود،. فانّه لما هو هو واجب الوجود [١] و بواسطة وجوب وجوده يلزمه انّه مبدأ لكلّ [٢] ما عداه، و مجموع هذين الأمرين هو الإلهيّة، فلهذا لمّا أشار بقوله: «هو» الى الهويّة المحضة البسيطة حقّا التي لا يمكن أن يعبّر عنه بشيء سوى انّه هو، و كان لا بدّ من تعرفها بشيء من اللّوازم، عقّب ذلك بذكر أقرب الأشياء لزوما له و هو الإلهية الجامعة للازمي السلب و الإيجاب؛ فسبحانه ما أعظم شأنه و أقهر سلطانه! فهو الذي هو منتهى الحاجات و من عنده نيل الطلبات، و لا يبلغ أدنى ما استأثر به من الجلال
[١] . فانّه لما هو واجب الوجود:- ب.
[٢] . لكلّ: الكل م ب ن.