التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٤ - كلام عن السحر في القرآن
أجوافها زئابق وتركوها بصورة العصيّ والحبال في ساحة بعيدة عن متناول الناس ومشاهدتهم القريبة. وكانت الساحة قد حفرت تحتها أسراب وأشعلوا فيها نارا فأثّرت حرارتها من تحت وحرارة الشمس من فوق، فجعلت الزئابق تتمدّد وتتقلّص، وتراءى للنّاس أنّها تسعى. ومن ثمّ قال تعالى: «سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ».[١] وما هي إلّا شعوذة لا واقع لها سوى تخييل ظاهريّ مجرّد.
قال الطبرسى: احتالوا في تحريك العصيّ والحبال بما جعلوا فيها من الزئبق حتّى تحرّكت بحرارة الشمس وغير ذلك من الحيل وأنواع التمويه والتلبيس، فخُيّل إلى الناس أنّها تتحرّك على ما تتحرّك الحيّة. وإنّما سحروا أعيُنَ الناس، لأنّهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته وخفي ذلك عليهم لبعده منهم، فإنّهم لم يدعوا مجالًا للناس كي يدخلوا فيما بينهم [خوف فضح أمرهم].
قال: وفي هذا دلالة على أنّ السحر لا حقيقة له، لأنّها لوصارت حيّات حقيقةً لم يقل اللّه سبحانه: «سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ» بل كان يقول: فلمّا ألقوا صارت حيّات. وقد قال سبحانه أيضا: «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى».[٢]
وامّا وصف سحرهم بالعظمة، فلأجل استعظام الناس ذلك المشهد الرهيب.
يقول الرازى في ذيل هذه الآية: واحتجّ به القائلون بأنّ السحر محض التمويه. قال القاضى: لو كان السحر حقّا لكانوا قد سحروا قلوبهم لا أعينهم، فثبت أنّ المراد أنّهم تخيّلوا أحوالًا عجيبة مع أنّ الأمر في الحقيقة ما كان على وفق ما تخيّلوه. قال الواحدي: بل المراد، سحروا أعيُنَ الناس أي قلبوها عن صحّة إدراكها بسبب تلك التمويهات. وقيل:
إنّهم أتوا بالحبال والعصيّ ولطّخوا تلك الحبال بالزئبق وجعلوا الزئبق في دواخل العصيّ، فلمّا أثّر تسخين الشمس فيها تحرّكت والتوى بعضها على بعض وكانت كثيرة جدّا، فالناس تخيّلوا أنّها تتحرّك باختيارها وقدرتها.[٣]
[١] - الأعراف ١١٦: ٧.
[٢] - مجمع البيان، ج ٤، ص ٤٦١.
[٣] - التفسير الكبير، ج ١٤، ص ٢٠٣.