التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٨ - والد إبراهيم عليه السلام تارح أو آزر؟
عليه قوله تعالى: «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ- إلى قوله- وَ عِيسى».[١] فجعل عيسى من ذرّية إبراهيم، مع أنّه عليه السلام كان جدّا لعيسى من قِبل الامّ.[٢]
*** ولسيّدنا الطباطبائي تحقيقٌ بهذا الشأن، استظهر من القرآن ذاته أنّ «آزر» الذي خاطبه إبراهيم بالأُبوّة وجاء ذلك في كثير من الآيات لم يكن والده قطعيّا.
وذلك أنّ إبراهيم في بداية أمره حين كان بين أظهر قومه من أرض كلدان، كان تحت كفالة آزر، وقد حاجّ قومه وحاجّ أباه كثيرا وفي فترات ومناسبات مؤاتية، وكان أبوه آزر يطارده ويؤنّبه على جرأته على آلهة قومه: «وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا. إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَ لا يُبْصِرُ وَ لا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً. يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا. يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا. يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا. قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا. قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا.[٣]
فإبراهيمُ هنا قد وعد أباه أن يستغفر له، وبالفعل وفى بوعده: «رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ. وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ».[٤]
لكن سرعان ما رجع عمّا كان قد رجا في أبيه خيرا، ومن ثمّ تبرّأ منه حين لم يرجُ فيه الصلاح ويئس منه. قال تعالى: «وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ».[٥]
هذا في بداية أمره قبل مغادرة بلاده وقومه قاصدا البلاد المقدّسة. والدليل على ذلك
[١] - الأنعام ٨٤: ٦ و ٨٥.
[٢] - التفسير الكبير، ج ١٣، ص ٤٠.
[٣] - مريم ٤١: ١٩- ٤٧.
[٤] - الشعراء ٨٦: ٢٦- ٨٩.
[٥] - التوبة ١١٤: ٩.