التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٠ - ضمائر تخالف مراجعها
فقد شبّهها بالشمس تشبيها صريحا من غير أن يطوي ذكر المشبّه به، ومع ذلك فقد تناسى التشبيه، وبنى على المشبّه ماهو من شأن المشبّه به.[١]
وقوله تعالى: «وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا»[٢] أي خضتم في الكفر والعناد كالذي خاضوه.
فالعائد محذوف. وهذا من تشبيه الخوض بالخوض، لاالخائضين بالخائضين. وهو من حُسن التشبيه حيث وقع بين الفعلين لاالفاعلَيْن.
وقوله تعالى: «وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ».[٣] المراد به الجنس وهو عامّ في مفهومه يشمل الواحد والكثير، وبما أنّ الآية ذات مصاديق كثيرة لوحظ المعنى ليعمّ الحكم من غبرٍ ومن حضرٍ ومَن يأتي من بعد.
وقوله تعالى: «وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ... أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ...».[٤] المراد به الجنس أيضا. وهو نوع من الالتفات اللطيف، حيث يبدأ الكلام بمفرد، لكنّ المتكلّم- حيث أراد الجنس لاالفرد الخاصّ- ينحو بكلامه إلى جانب العموم وإرادة الشمول.
وهنا بشأن هذه الآية حكاية ظريفة: زعمت بنو اميّة وبنو مروان أنّها نزلت بشأن عبدالرحمان بن أبي بكر. وحينما كتب معاوية إلى عامله بالمدينة مروان بن الحكم بأن يبايع الناس ليزيد قال عبدالرحمان: لقد جئتم بها هرقليّة، تبايعون لأبنائكم! فقال مروان:
أيّها الناس، إنّ هذا هو الذي قال اللّه فيه «وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما ...» فسمعت عائشة، فغضبت وقالت: واللّه ما هو به، ولو شئت أن اسمّيه لسمّيته. ولكنّ اللّه لعن أباك وأنت في صلبه، فأنت فَضَضٌ من لعنة اللّه.[٥]
[١] - المطوّل، ص ٣٧٩.
[٢] - التوبة ٦٩: ٩.
[٣] - الزُمر ٣٣: ٣٩.
[٤] - الأحقاف ١٧: ٤٦ و ١٨.
[٥] - فضض: ما انفضّ من الشيء. قال الجوهري: وفي الحديث: أنت فضض من لعنة اللّه، يعني: ما انفضّ من نطفة الرجل وتردّد في صلبه. والحديث أخرجه النسائي وابن أبيخيثمة والحاكم وصحّحه ابن مردويه. وأخرج أصله البخاري في صحيحه. راجع: الكشّاف، ج ٤، ص ٣٠٤ والهامش، ص ٣٠٣. وراجع أيضا: الدرّ المنثور، ج ٧، ص ٤٤٤.