التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٧ - التعبير عن العقلاء ب -«ما» الموصولة
سمات هذا الربّ والتي جعلته ربّا للعالمين، ولم يسأله عن ذاته المقدّسة وعن اسمه الخاصّ. وإلّا لكان حقّ الجواب أن يقول موسى عليه السلام: اللّه، بل أجابه بقوله: «رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا ... رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ... رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما»[١] وفيه تعريضٌ بفرعون، حيث ادّعى الربوبيّة، لأنّ له ملك مصر، وأنّ أنهارها تجري من تحته.[٢] فهو يملك- فيما زعم- رقعةً من الأرض وليست كلّها وفي مقطع من الزمان لافي كلّ الأزمان، ولُاناسٍ معدودين وليس كلّ الخلائق من الأوّلين والآخرين.
والخلاصة: إنّ التعبير ب- «ما» عن الشيء قد يكون تعريفا بعين ذاته، فهذا مايغلب استعماله في غير ذوي العقول. وقد يكون تعريفا بصفاته وعناوينه التي كوّنت شخصيّته الخاصّة، فهذا يعمّ ويغلب استعماله في العقلاء أيضا. وقد جاءت تعابير القرآن على هذا النمط، وجاريا على أساليب كلام العرب الفصيح.
وعليه، فكان قوله تعالى: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ»[٣] تعبيرا عن الطيّبات من النساء، أي فانكحوا الطيّب من النساء. قال مكّيّ بن أبي طالب: أي فانكحوا الطيّب أي الحلال. و «ما» تقع لما لايعقل، ولنعوت مايعقل، ولذلك وقعت هنا لنعت مايعقل.[٤]
وكذا قال- في قوله تعالى: «وَ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ»[٥]-: وقعت «ما» لمن يعقل، لأنّ المراد بها صفة من يعقل. قال: و «ما» يسأل بها عمّا لايعقل وعن صفات من يعقل.[٦]
قال الفرّاء: «ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» يريد: أو ملك أيمانكم.[٧]
فإنّه عنى الطيّبات، ثم بيّنه بقوله: «من النساء». كما أنّه عنى المملوك ثم بيّنه بالفتيات وكذلك قوله «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ ...»[٨] فإنّه عنى جانب الاستمتاع، ثمّ جاء البيان بالنساء.
[١] - الشعراء ٢٤: ٢٦- ٢٨.
[٢] - إشارة إلى قوله تعالى:« وَ نادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ». الزخرف ٥١: ٤٣.
[٣] - النساء ٣: ٤.
[٤] - مشكل إعراب القرآن لمكّي بن أبي طالب، ج ١، ص ١٨٩.
[٥] - النساء ٣٦: ٤.
[٦] - المصدر: ص ١٩٥.
[٧] - معاني القرآن، ج ١، ص ٢٥٤.
[٨] - النساء ٢٤: ٤.