التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٦ - التعبير عن العقلاء ب -«ما» الموصولة
وقال- في تفسير سورة الكافرون-: فإن قلت: فلم جاء على «ما» دون «مَنْ»؟ قلت:
لأنّ المراد الصفة، كأنّه قال: لاأعبد الباطل، ولاتعبدون الحقّ.[١]
وقال الطبرسي- في قوله تعالى: «وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ»[٢]-: إنّه يجوز أن يكون ذهب به مذهب الجنس، كما يقول القائل: لاتأخذ ما أخذ أبوك مِنَ الإماء. فيذهب مذهب الجنس ثم يفسّره ب- «مِن».[٣]
وأقول- توضيحا لذلك-: إنّ «ما» قد يراد به الذات، فذلك الغالب أن يقع على غير ذوي العقول. ولكن قد يقع على ذوي العقول مرادا به الوصف لاالذات، فذلك هو الشائع واستعمله القرآن. ومنه السؤال عن الماهية أيضا، يُوتى بما دون «مَنْ» وإن كان سؤالًا عن ماهية عاقل فيقال: زيدٌ ماهو، وماهذا الرجل. فإنّ السؤال عن شخصيّته وعن تكوينه الذاتي في أوصافه الخاصّة، وليس المراد السؤال عن معرفة شخصه، فلا يصحّ أن يقال في الجواب: إنّه ابن فلان أو من آل فلان. بل ينبغي أن يُجاب بما يعرّف شخصيّته الذاتيه وأن يؤتى بأوصافٍ تخصّه.
نعم، لو اريد السؤال عن شخصه كان يجب أن يقال: مَن هو، فيجاب بأنّه ابن فلان أو من آل فلان.
وفي الحديث عن أبى الحسن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: دخل رسول اللّه صلى الله عليه و آله المسجد، فإذا جماعة قد أطافوا برجل. فقال: ماهذا؟ فقيل: علّامة. قال: وما العلّامة؟ قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيّام الجاهلية وبالأشعار والعربية.
فقال النبيّ صلى الله عليه و آله: ذاك علمٌ لايضرّ من جَهِلَه، ولاينفع من عَلِمَه.[٤]
ومنه قوله تعالى- حكايةً عن فرعون-: «وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ».[٥] وذلك لمّا دعاه موسى عليه السلام إلى شريعته وقال: «إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ».[٦] عاد عليه فرعون وسأله عن
[١] - المصدر: ص ٨٠٩.
[٢] - النساء ٢٢: ٤.
[٣] - مجمع البيان، ج ٣، ص ٢٧.
[٤] - بحارالأنوار، ج ١، ص ٢١١ عن أمالي الصدوق.
[٥] - الشعراء ٢٣: ٢٦.
[٦] - الشعراء ١٦: ٢٦.