التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩ - «أ و لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل»
«لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ (أي من أهل الكتاب) وَ الْمُؤْمِنُونَ (أي من أهل الإسلام) يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ».[١]
«وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ».[٢] وهؤلاء هم القساوسة والرهبان الذين لايستكبرون، ومن ثَمَّ فهم خاضعون للحقّ أين وجدوه، وبالفعل فقد وجدوه في حظيرة الإسلام.
«قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ (أيّها الكافرون بالقرآن) وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ (ممّن آمن برسالة الإسلام) عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ».[٣]
الضمير في قوله «على مثله» يعود إلى القرآن. يعني أنّ مِنْ علماء بني إسرائيل مَن يشهد بأنّ تعاليم القرآن تماما مثل تعاليم التوراة التي أنزلها اللّه على موسى، ولذا آمن به لما قد لمس فيه من الحقّ المتطابق مع شريعة اللّه في الغابرين.
وكثير من علماء أهل الكتاب آمنوا بصدق رسالة الإسلام فور بلوغ الدعوة إليهم، حيث وجدوا ضالّتهم المنشودة في القرآن فآمنوا به. فكانت شهادة عمليّة إلى جنب تصريحهم بذلك علنا على الملأ من بني إسرائيل.
وهذا هو معنى شهادة علماء بني إسرائيل بصدق الدعوة، حيث وجدوها متطابقة مع معايير الحقّ الذي عندهم. لا ما حسبه صاحبنا الاسقف بعد أربعة عشر قرنا أنّه مقتبسٌ من كتبهم ومتلقّى من أفواههم هم!! الأمر الذي لم يقله اولئك الأنجاب وقد أنصفوا الحقّ الصريح! «وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ».[٤] «الَّذينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ».[٥]
وهذه المعرفة ناشئة عن لمس الحقيقة في الدعوة ذاتها وفقا لمعايير وافتهم على
[١] - النساء ١٦٢: ٤.
[٢] - المائدة ٨٣: ٥.
[٣] - الأحقاف ١٠: ٤٦.
[٤] - الأنعام ١١٤: ٦.
[٥] - الأنعام ٢٠: ٦.