التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤١ - أقسام السحر
وجود عالم الغيب وراء عالم الشهود. لكن هل بإمكان العائشين على الأرض التغلّب والسيطرة (تسخير) تلك الكائنات المنبثّة وراء ستار الغيب؟ وقد دلّت الشواهد على أنّهم أعجز من ذلك، اللّهمّ إلّا بعض الإيحاءات الخبيثة تلقيها الشياطين على شاكلتهم في الأرض «إِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ».[١] فهم الذين وقعوا في فخّ الشياطين وحسبوا أنّها مسخّرة لهم، يا لها من مهزلة تنبؤك عن سفاهةٍ في ذوي العقول الضعيفة. وقد استوفينا الكلام عن ذلك في رسالة كتبناها عن الأرواح.
وبعد، فإذ لم تثبت حقيقة للسحر بمعنى التأثير في قلب الطبيعة وتسخير الكائنات، نعم سوى تمائم هي نمائم ووساوس ينفثونها لفكّ العُقَد وفَصْم الروابط والأواصر بين المتحابّين، «وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ».[٢] ومن ثَمَّ لا تأثير لدسائسهم في نفوسٍ متّكلةٍ على اللّه قويمةٍ بعنايته تعالى «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ».[٣] فكان ما تعلّموه ضرر عليهم ولا ينفعهم شيئا. الأمر الذي جعلهم عَجَزة ومساكين وعائشين على فضلة الأثرياء أو الضعفاء الأغنياء. قال تعالى بشأنهم: «وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى».[٤]
وهذا طابعٌ وسَمَهم به القرآنُ الكريم. حيثُ يقولُ- مُوَجِّها خطابَه إلى المشركين في زعمهم أنّ النبي جاء بسحر-: «أَ تَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَ سِحْرٌ هذا وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ».[٥] دليلًا على أنّ الذي جاء به نبيّ الإسلام لاصلة له بالسحر، حيث قد توفّق في تبليغ دعوته والتأثير بشريعته تأثيرا في واقع الحياة. الأمر الذي لا يتلاءم وسحر السحَرَة غير المفلحين ولا موفّقين في مسيرتهم المنحرفة بل مكدودين عاجزين أذلّاء ومساكين حُقَراء.
هذا هو منطق القرآن ونظرته القاطعة بشأن السحر والسَحَرة، لاواقع له ولا تأثير خارج إطار الدسائس الخبيثة. وأن لا قدرة لساحرٍ ولا هيمنة على سكّان الأرض السفلى
[١] - الأنعام ١٢١: ٦.
[٢] - البقرة ١٠٢: ٢.
[٣] - الحِجر ٤٢: ١٥؛ الإسراء ٦٥: ١٧.
[٤] - طه ٦٩: ٢٠.
[٥] - يونس ٧٧: ١٠.