شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٨٥ - نبذ من علم الحروف
يصطلح في الإحاطة و يقال لا يخلو الأمر من ثلاث إحاطات: إحاطة سفلية هي حدّ لأدنى ما يتنزّل إليه إدراك الحواسّ و يقف عنده، و إحاطة علويّة هي حدّ لأقصى ما يدركه العقل، و إحاطة فوق العليا هي حدّ لمنتهى النهايتين علو العقل و تنزل الحسّ: و انّ «الألف» التي هي أوّل الأحرف اللّفظيّة انّما تدلّ على الإحاطة فوق العليا مع قطع النظر عن نسبة المحيط بهذه الإحاطة الى ما دونه؛ و انّ «الباء» حدّ الإحاطة العليا من حيث عدم الإضافة و النسبة أيضا، و هكذا الى أن ينتهي الأمر الى الفاعل الّذي لا فاعل دونه و هو الطّبيعة، ثمّ يبتدئ الحروف الباقية من الدّلالة على الأوّل من حيث الإضافة الى معلوله حتّى تنتهي الى «الحاء» الّتي للطّبيعة من حيث أفاعيلها، ثمّ بعد تمام سلسلة الفواعل تبقى «الياء» للدّلالة على القابل الّذي هو الهيولى.
ثمّ نشرع في الآثار و النتائج من نسبة الفواعل الى القوابل:
«فالكاف» عبارة عن كمال الظهور للإحاطة التي فوق العليا حتّى انّ ما دونه مستهلك بالنّظر إليه فيكفي هو عن كل شيء و لهذا ورد انّ «الكاف هو الكافي الذي لم يكن له كفوا احد» [١] و قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» [٢].
و «اللّام» عبارة عن اتّصال البدو بالتّمام الذي هو «الميم»، إذ الميم تمام ما ينتهي إليه الظّهور في الأعيان. فاللّام عبارة عن نسبة الذّات الى الأسماء و الصّفات بالجلاء و الاستجلاء و الظّهور و الإظهار؛ و «الميم» عبارة عن نسبة الأسماء الى أفعاله و مصنوعاته الّتي هي ملكه و مظهر ربوبيّته، فالميم لمرتبة الرّبوبيّة و لذا ورد: انّ الميم دليل على انّه «الْمَلِكُ الْحَقُّ» و انّه «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» [٣] و كلّ ذلك من آثار الرّبوبيّة.
[١] . التوحيد، باب ٣٢ (تفسير حروف المعجم) ص ٢٣٥؛ بحار، ج ٢، ص ٣١٩.
[٢] . فصّلت: ٥٣.
[٣] . التوحيد، ص ٢٣٥؛ بحار ج ٢ ص ٣١٩.