شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٣٦ - تذييل في الولاية و النبوة و النسبة بينهما
و توقّف للعارف؛ فبعد ما عرفت تلك الأصول، فنقول في بيان سرّ الإنكار، على كلّ واحد من النظرين: أمّا على مذهب من يقول بضرورة تأخر نبوّة النبيّ عن ولايته، فلعلّ إنكار يونس- عليه السّلام- ولاية أمير المؤمنين- عليه السّلام- ظنّه اختصاص الولاية المطلقة بنفسه و إن لم ينكر الولاية الجزئية لعليّ عليه السّلام. و ممّا يؤيّد ذلك قوله تعالى: فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [١] أي لن نضيق عليه، و وجه التأييد انّ صاحب الولاية المطلقة لا ضيق عليه أصلا لأنّها الفلك المحيط بكلّ النبوّات و الولايات؛ و من البيّن انّ صيغة المتكلم مع الغير إذا صدر عن اللّه فذلك باعتبار أوليائه و أصفيائه ملكا كان أو إنسانا، و الوليّ المطلق لا يمكن أن يكون تحت حكم غير اللّه كما يعرفه العارفون باللّه و بأوليائه؛ فلمّا ظنّ ذلك و استمرّ عليه حبسه اللّه في بطن الحوت التي هي من جزئيات بحر الحقيقة التي هي الولاية الكلية؛ و لو كان كما زعم لأغرقه في البحر نفسه و لم يوجد له أثر بعد؛ و لمّا ظهر له من هذا الغرق انّه ليس له تلك المرتبة و إن عرج الى السماء ألف مرة، استغفر اللّه و ندم على ما فرّط في «جنب اللّه» و قال: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ و هذا إشارة الى الغناء الذي هو مقدمة الولاية سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ إشارة الى الرجوع عما ظنّ و عمّا أنكره، فنجّاه اللّه تعالى بعليّ- عليه السّلام- حيث كان صاحبه في بطن الحوت، كما يكون [٢] البحر صاحب الحوت، و حيث ألقاه البحر بتموّجه الى الساحل، و البحر هو الولاية الكلية فعرف من ذلك اختصاصها بعليّ عليه السّلام.
و أمّا على مذهب من يقول بانفكاك النبوّة عن الولاية فنقول في بيان هذا السرّ:
لعلّ يونس- عليه السّلام- ممن سبقت نبوّته على ولايته، و يشعر بذلك أمور:
الأوّل، انّه دعى على أمّته بالهلاك على التشديد و التضييق و لم ينتظر لأمر إلهي كما صبر نوح- عليه السّلام- لأنّ الإلحاح في الدعاء عليهم و استدعاء تفويض أمرهم إليه في إنزال المطر و غير ذلك ينبغي عن قوة جهة الخلقية؛ فانّ الذي غلب عليه
[١] . الأنبياء: ٨٧.
[٢] . يكون:+ صاحب د.