شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٢٤ - الحديث الأول في تفسير«الوجه» في قوله تعالى كل شيء هالك إلا وجهه
الاستدلال: انّه لو كان للّه تعالى وجه كما يقولون انّه في الاستواء على صورة الشابّ الموفّق، و في التمامية و النورية كالقمر ليلة البدر، لكان له أعضاء أخر و إن كان غير جسماني. و يلزم بحكم هذه الآية هلاك كل شيء سوى الوجه و من جملة الأشياء سائر أعضائه فيلزم هلاكها، و هذا مستحيل بالضرورة. ثمّ ردّ ذلك- عليه السّلام- بانّ اللّه أعظم من أن يوصف بالوجه لأنّه وجه جميع الوجوه، لا انّ له وجها كما سيأتي في خبر مولانا علي- عليه السّلام- في أواخر هذا الكتاب من التمثيل بالنار، و انّه وجه من جميع الجهات؛ ثمّ فسّر الوجه المذكور في الآية بوجه من وجوهه سبحانه و هو الدين بقوله: «و لكن معناه كلّ شيء هالك إلّا دينه» و أشار الى وجه ذلك بقوله: «و الوجه الدين يؤتى منه».
بيان ذلك: انّ «الوجه» في الوضع الإلهي هو ما يواجهك من الشيء فوجه الإنسان هو ما يواجهك به من التخطيطات و التشكيلات، و وجه الثوب هو ما يواجهك به من ظاهره، و وجه الكتاب هو ما يواجهك بحيث تتمكّن من قراءته، و وجه المسألة هو ما يواجهك به من التحقيق في حلّها و هكذا في سائر الأشياء، فوجه اللّه هو ما يتوجّه به الى اللّه بحيث كأنّه هو في هذا التوجّه يواجه السالك، و ليس ذلك إلّا الأنبياء و الأولياء من حيث انّه بالإقبال عليهم و انقيادهم و اتّباعهم يتوجّه الى اللّه. و لمّا كان طريقهم أنفسهم الى اللّه هو دينهم لأنّه ليس الدين الّا سيرتهم الباطنة و سيرتهم النوري الى اللّه تعالى، و عند ما وصل إلينا في عالم الطبيعة صار هذه العقائد و الأعمال و الحركات الظاهرة، فمن ذلك يصحّ إطلاق «الوجه» على «الدّين». و هذا معنى قوله- عليه السّلام-: «و الوجه الدّين يؤتى منه».
وجه آخر لكون الدين وجها و هو وجه دقيق شريف: اعلم، انّ «الدين» عبارة عن الطريق الذي منه يسلك الى اللّه، و الوجه الذي يتقرّب به إليه، و الباب الذي يؤتى منه إليه، و من المستبين انّ ذلك رجوع للشيء الى ما بدأ منه، و لا ريب انّ الرجوع الى المبدأ من الطريق الذي جاء منه على اليقين و الكمال، و لو كان يمكن من سبيل آخر غيره فعلى الإمكان و الاحتمال، و لا مجال للاحتمال عند اليقين لدى