شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٩٩ - الموقف الخامس
- تغمّده اللّه برضوانه- فانّه كشف قناع الأستار عنه و عن أمثاله من الأسرار و بلغ المجهود في ذلك و أحرز قصب السبق عن كلّ فارس سالك، لكن أهل زمانه و زماننا لقصور هممهم عن الخوض في الأسرار الإلهية و نقصان فطرتهم عن تحصيل الاصول البرهانية لم يصيبوا مرماه و لم يفهموا مغزاه، فطعنوا فيه كلّ الطعن و زعموا فيه بعض الظنّ، و انّ الظن لا يغني من الحق شيئا، مع انّهم معترفون بعدم إصابتهم الغرض من كلام السيّد الأمجد أصلا، و من البيّن انّه لا حجّة لمن لا يعلم على من يعلم، و لا للجاهل على العالم، و بالجملة، لم يقصدوا هؤلاء الأفاضل القائلين بالدهر انّ الدهر ظرف لوجود الامور الدهريّة كما انّ الزمان كذلك بالقياس الى الأشياء الزمانيّة، و لا انّ للشيء الواحد وجودات متخالفة لها ظروف متعدّدة، حاشاهم عن هذه الشنعة! و شأنهم أرفع من أن ينسب إليهم تلك الفرية، بل الغرض انّ هاهنا طائفتين من الموجودات: فطائفة اعتكفوا على باب الحضرة منذ نالوا من عالم الوجود درجة فلم يضعوا في دار المكان قدما و لم يقعوا في شبكة الزمان مقيّدا، فمرتبة وجود هؤلاء الأبزار في مراتب الأنوار تسمّى بالدهر، كما عرفت في معرفة الأزل حقيقة الأمر؛ و طائفة أخرى من الموجودات لمّا صدرت عن علّتها سلكت سبل ربّها ذللا، الى أن وردت هذا الماء و الكلأ و عمّرت بها الدنيا، فلها بالقياس الى مراتبها النازلة وجودات رابطيّة تنسب هي إليها بالحق و الحقيقة، فوجودها من حيث صدورها عن اللّه العلي يسمّى ب «الوجود الإلهي» و هذه المرتبة يقال لها «السرمد» ثمّ وجودها بالقياس الى مباديها العقلية يسمّى ب «الوجود العقلي» و مرتبتها هذه، يقال لها «الدهر» و وجودها في عالمنا هذا ب «الوجود الطبيعي» و مرتبها بقياس بعضها الى بعض يمسّى ب «الزمان»، هكذا ينبغي أن يفهم الغرض من هذه المقامات، و لا يحجبنّ عن ذلك اختلاف العبارات و أقسام الاستعارات؛ و سيجيء تحقيق المقام و تفصيل الكلام في باب الزمان إن شاء اللّه الرحمن في المجلّد الثالث بما لا مزيد عليه من البيان.