شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٣٦ - مفتاح
ارتباط المعلولات الى المبادي، و كيفية السير من الأوائل الى الثواني، عقيب السلوك من السوافل الى العوالي، فانّ اليقين كما قالوا إنّما يحصل من العلم بالأسباب الموجبة، و جميع ذلك، إن لم يتعذّر، فمن البيّن انّه ممّا يتعسّر، فغاية ما ينتهي إليه الأفكار العقلية و الأنظار البرهانية هو الانتهاء الى مبدأ واجب الوجود بالذّات مستجمع للصفات الحسنى و الكمالات على نحو البساطة الحقّة المعبّر عنه ب «العينية»، فيجعلونه مبدأ المبادي و منتهى سلسلة الأوائل و الثواني، و من المستبين عند كلّ أرباب التوحيد و خلّص أصحاب [١] التفريد انّ هذه المرتبة التي يجعلونها مبدأ أوّل للموجودات هي اللائقة بالنور الأوّل الصادر عن جاعل الماهيات و هي المرتبة الألوهية المستجمعة لكافّة الصفات الكمالية و النعوت الجلالية و الجمالية، و انّ المبدأ الأعلى تعالى شأنه مقدّس عن إدراك المدارك و متعال عن أن يقال فيه هذا أو ذلك، لأنّه لا اسم و لا رسم في المرتبة الأحدية، و لا نعت و لا وصف في كبرياء الوحدانية ف «كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم و عقولكم فهو مخلوق مثلكم مردود إليكم و لعلّ النّمل الصغار زعم انّ اللّه زبانيتين كما لها» [٢]، و هكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالى.
و أمّا ما يختص بطريقة أهل الرياضيات المخترعة و أرباب الرهبانيات المبتدعة:
فأن تعلم انّها و إن أفادت صفاء ما للقلوب الكدرة و جلاء ناقصا للنفوس القذرة، لكن لمّا لم يستند الى اللّه تعالى و لم يتسبّب من تعليمه و هدايته عزّ و علا فكثيرا ما ينتهي بصاحبها الى الشيطنة و النّكراء، و يوصله الى انتقاش الجهالات المركّبة الشّنعاء، و يؤدّي الى الآراء الباطلة و العقائد الفاسدة كما يشاهد من أكثر هذه الطائفة، و لا ينافي ذلك صدق أخبارهم في بعض الحوادث كما قد شوهد من أمثالهم، فانّ الشياطين ليوحون الى أوليائهم، و ذلك أيضا في بعض ما اختطفوها
[١] . أصحاب: أرباب د.
[٢] . اقتباس من حديث كما في شرح مسألة العلم لنصير الدين الطوسي، ذيل مسألة ١٥، ص ٤٣، و أشرنا إليه سابقا.