شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٢٠ - الفصل الثالث في سر التمثيل
السَّماواتِ [١]. و معنى الإشارة فى الوصول لعدم المناسبة، إذ لو قيل: ما مثال الذي لا يمكن تصوّره، فالمنزّه عن كلّ مناسبة هو الأوّل الحق، و لذلك لمّا قال فرعون لموسى- عليه السلام-: وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ [٢] حيث طلب الماهية لم يجب الّا بتعريفه بأفعاله فقال: رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و «علم التعبير» ممّا يوصل الى منهاج ضرب المثال، فانّ «الشمس» يعبر [٣] ب «السلطان» و «القمر» ب «الوزير» و «من ختم على الأفواه و الفروج» بالمؤذّن. فكما انّ في الموجودات العالية ما مثاله الشمس و القمر و الكواكب، فكذلك فيها ماله أمثلة أخر إذ اعتبرت فيه أوصاف غير النورانية، فإن كان فيها ما هو ثابت لا يتغيّر و منه يتفجّر مياه المعرفة الى أودية القلوب فمثاله الطور، و إن كان فيها ما يأخذ تلك المعارف فمثاله الوادي، و إن كان تلك المعارف يجري من قلب الى قلب فهذه القلوب أودية، و مفتتح الوادي قلوب الأنبياء، ثمّ الأوصياء، ثمّ العلماء؛ فإن كانت تلك الأودية أدون من الأوّل فهو الوادي الأيمن، و إن كان الأوّل يتلقّى من آخر درجات الأوّل فمغترفه شاطئ الوادي الأيمن، و إن كان روح النبي سراجا مقتبسا بواسطة الوحي فما منه الاقتباس مثاله النار، و حظّ المتلقّي عن الأنبياء على الاستبصار مثاله الجذوة و القبس و الشهاب، فانّ صاحب الذوق مشارك للنبي في بعض الأحوال، و مثال تلك المشاركة الاصطلاء، و إن كان أوّل منزل الأنبياء الترقي من كدورات الحسّ و الخيال فمثال ذلك المنزل هو الوادي المقدّس و لا يمكن أن يوطّأ ذلك الّا بنفي الكونين و طرد النشأتين فمثال طرحهما للتوجّه الى كعبة القدس خلع النعلين [٤].
[١] . الأنعام: ٧٩.
[٢] . الشعراء: ٢٣.
[٣] . قوله: «يعبر» على المجهول بدون التشديد، يقال عبر الرؤيا كنصر. منه.
[٤] . إشارة الى قوله تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (طه: ١٢).