شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦١١ - النور الثاني في معنى هذا المثل و المتمثل
المعقولات الثانية التي هي العلوم المكتسبة. و مراتب الناس تختلف في تحصيلها:
فمنهم من لها شوق ما لنفسه إليها، يبعثها على حركة فكرية شاقة في طلب تلك المعقولات و هو من «أصحاب الفكرة»، و منهم من يظفر بها من غير حركة إمّا مع شوق و هو من «أصحاب الحدس»؛ و يتكثّر مراتب الصنفين، و صاحب المرتبة الأخيرة ذو قوّة قدسيّة؛
و أمّا قوّتها المتناسبة للمرتبة الأخيرة فتسمّى عقلا بالفعل، و هي ما يكون عند الاقتدار على استحضار المعقولات الثانية بالفعل متى شاء بعد الاكتساب بالفكر أو الحدس، و هذه قوّة للنفس، و حضور تلك المعقولات كمال لها، و هو المسمّى بالعقل المستفاد، لأنّها مستفادة من عقل فعّال في نفوس الناس، يخرجها من درجة العقل الهيولاني الى درجة العقل المستفاد؛ فانّ كل ما يخرج من قوّة الى فعل فانّما يخرجه غيره. و قياس عقولنا في استفادة المعقولات الى العقل الفعال، قياس أبصار الحيوانات في مشاهدة الألوان.
و في بعض نسخ الكتاب يوجد هكذا: «و إن كانت أقوى من ذلك فتسمّى «عقلا بالملكة» مع الواو العاطفة. و قال الشارح الفاضل [١]: الآية الكريمة مطابقة لهذه المراتب، و قد قيل في الخبر: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» ففسّر الشيخ تلك الإشارات بهذه المراتب، فكانت «المشكاة» شبيهة بالعقل الهيولاني، لكونها مظلمة في ذاتها قابلة للنور، لا على التساوي لاختلاف السطوح و الثقب فيها؛ و «الزجاجة» بالعقل بالملكة، لأنّها شفّافة في نفسها قالة للنّور أتمّ قبول؛ و «الشجرة الزيتونيّة» بالفكر لكونها مستعدّة لأن تصير قابلة للنور بذاتها، لكن بعد حركة كثيرة؛ و «الزيت» بالحدس لكونها أقرب الى ذلك من الزيتونة؛ و الذي يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار، بالقوّة القدسيّة، لأنّها تكاد تعقل بالفعل؛ و «نور على نور» بالعقل المستفاد لأنّ الصورة المعقولة نور، و النفس القابلة لها نور آخر؛
[١] . أي الطوسي، في شرح الإشارات، ج ٢، ص ٣٥٦- ٣٥٧.