شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٠٥ - النور الثاني في معنى هذا المثل و المتمثل
الخامس عشر [١]، انّه تمثيل لما منح اللّه به عباده من القوى الدراكة الخمس المترتبة التي ينوط بها المعاش و المعاد، و هي: الحاسّة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس، و الخيالية التي تحفظ صورة تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت، و العاقلة التي تدرك الحقائق الكلية، و المفكّرة و هي التي تؤلّف المعقولات ليستنتج منها علم ما لم يعلم، و القوة القدسيّة التي تتجلّى فيها لوائح الغيب و أسرار الملكوت المختصّة بالأنبياء و الأولياء و هي المعينة بقوله تعالى:
وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا، بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية، و هي المشكاة، و الزجاجة، و المصباح، و الشجرة، و الزيت. فانّ «الحاسّة» كالمشكاة، لأنّ محلّها [٢] كالكوى، و وجهها الى الظاهر لا يدرك ما وراءها، و إضاءتها بالمعقولات لا بالذات، و «الخيالية» كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب و ضبطها للأنوار العقلية و إنارتها بما تشتمل عليها من المعقولات، و «العاقلة» كالمصباح لإضاءتها بالإدراكات الكلية و المعارف الإلهيّة و «المفكّرة» كالشجرة المباركة لتأديتها الى ثمرات لا نهاية لها، و الزيتونية المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقيّة و لا غربيّة لتجرّدها عن اللّواحق الجسمية أو لوقوعها بين الصور و المعاني، متصرّفة في القبلتين منتفعة من الجانبين، و «القوة القدسيّة» كالزيت فانّها لصفائها و شدّة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكّر و لا تعلّم.
السادس عشر، انّه تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك، فانّها في بدئ أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة، ثمّ ينتقش بالعلوم الضرورية بتوسّط إحساس الجزئيات بحيث يتمكّن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة
[١] . هذا الوجه الخامس عشر و الذي بعده ذكرهما البيضاوي في تفسيره و هما قريبان من الحق.
منه. (راجع: أنوار التنزيل و أسرار التأويل لناصر الدين أبي الخير البيضاوي، المتوفى ٧٩١ ه، الطبعة الثانية، مصر ١٣٣٨ ه، ص ١٢٨).
[٢] . محلّها: محلّهما د ر.