شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٨٨ - النور الأول فيما يليق بتفسيرها و ذكر الأقوال في إطلاق«النور» عليه تعالى
أهل، و كلّها من أنوار الحق التي ذكر اللّه في قوله: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، و لكل عبد من عبيده مشرب من هذه الأنوار، و ربما كان حظّه من نورين و من ثلاثة فصاعدا. و لا يتم هذه الأنوار الّا لنبيّنا- صلّى اللّه عليه و آله- فانّه القائم مع اللّه بشرائط العبودية و المحبة فهو نور و هو من ربّه على نور.
و ما أحسن [١] ما قال بعض علماء اللسان في تفسيره [٢] من هذا النمط و إن تكرّر فيه بعض المعاني السابقة، لكن لا يخلو ذكرها عن الفائدة، فلنذكر كلامه هنا واضحا مبيّنا: قال:
«النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أوّلا و بواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيّرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما و هو بهذا المعنى لا يصحّ إطلاقه على اللّه جلّ و علا الّا بضرب من التأويل: إمّا بأن يقدر مضاف كقولك زيد كرم أي ذو كرم، و إمّا على تجوّز للمبالغة في هذا المعنى، و إمّا على انّه بمعنى منوّر السماوات و الأرض و قد قرئ بذلك، فانّه تعالى نوّرهما بالكواكب و ما يفيض عنها من الأضواء، أو نوّر السّماوات بالملائكة، و الأرض بالأنبياء و الأولياء و أهل اللّه، أو نوّر كلّا منهما بكلّ من هذين، و إمّا على انّه مدبّرهما، من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: «نور القوم»، لأنّهم يهتدون به في أمورهم، و إمّا على انّه موجدهما، فانّ النور ظاهر بذاته مظهر لغيره، و أصل الظهور هو الوجود كما انّ أصل الخفاء [هو] العدم، و اللّه سبحانه موجود بذاته موجد لما عداه، و إمّا على انّه سبحانه يدرك الأشياء و يصل إليها و لا مفرّ و لا مهرب منه، و إمّا على انّ بسببه يتوصّل الى إدراك المدركات. و وجه هذين التأويلين انّ النور يطلق على الباصرة إمّا لتعلقها بالنور كما هو ظاهر أو لمشاركتها للنور في توقّف الإدراك عليه؛ ثمّ
[١] . كتب الشارح بخطّه الشريف في هامش ورق ١٢٨ من نسخة س: «هو الجزء السابع عشر. شرع فيه- بعد ما عوّقت العوائق عنه سنة كاملة- في ليلة السابع من شهر محرم الحرام لسنة ثمان و تسعين من الألف الثاني بتوفيق اللّه.
[٢] . و هو البيضاوي في أسرار التنزيل، في ذيل تفسير آية النور في سورة النور.