شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٦٤ - المقام الثاني في ذكر خلق الإنسان على الإجمال مطابقا لما ذكره بعض أرباب الحال
منهم الى هذا الداخل فيخلع عليه حلّة على قدر مقامه و يأخذه بيده، و يجول به في تلك الأرض و يتبوّأ منها حيث يشاء، و لا يمرّ على حجر [١] و لا مدر و لا شيء و يريد أن يكلّمه إلّا كلّمه كما يكلّم الرجل صاحبه، و لهم لغات مختلفة لكن تعطي هذه الأرض بالخاصية لكلّ من دخلها الفهم بجميع ما فيها من الألسنة، فإذا قضى ذلك الواحد وطره و أراد الرجوع الى موضعه مشى معه رفيقة من الصور الموكّلة الى أن يوصله الى الموضع الذي دخل منه فيوادعه و يخلع عنه تلك الحلّة التي كساه و ينصرف عنه، و قد حصل علوما جمّة و زاد في علمه باللّه ما لم يكن عنده.
قال بعض العارفين [٢]: لمّا دخلت هذه الأرض رأيت فيها أرضا كلها مسك عطر لو شمّه أحد منّا في هذه الدنيا لهلك لقوّة رائحته. و دخلت في هذه الأرض أرضا من الذهب الأحمر الليّن فيها أشجار كلّها ذهب و ثمرها ذهب، تقصر فاكهة الجنة عنها فكيف فاكهة الدنيا، و الجسم و الصورة و الشكل ذهب، و الصورة كالثمرة، و في الفاكهة من النقش البديع و الزينة الحسنة ما لا يتوهمّه النفوس. و رأيت من كبر الثمرة بحيث لو جعلت الثمرة ما بين السماء و الأرض لحجب أهل الأرض عن رؤية السماء، و لو جعلت على الأرض لفضلت عليها أضعافا، و إذا قبض عليها الذي يريد أكلها بهذه اليد المعهودة عمّها لقبضته، لكونها ألطف من الهواء. و لمّا شاهدها ذو النون المصري نطق بما حكي عنه من جواز دخول الكبير في الصغير من غير أن يصغر الكبير أو يكبر الصغير، فالعظم في التفّاحة باق، و القبض عليها مع الإحاطة متحقّق، و الكيفية مشهودة مجهولة لا يعلمها إلّا اللّه. ثمّ انّ اليوم الواحد الزماني عندنا هو عدة سنين عندهم، و أزمنة تلك الأرض مختلفة. و فيها أرض من فضّة بيضاء في الصورة ذات أشجار و أنهار و أثمار كلّها فضّة، و كذلك أجسام أهلها، و كذلك كلّ أرض كالذهب و الكافور و الزعفران و غير ذلك شجرها و ثمرها
[١] . على حجر: بحجر الفتوحات.
[٢] . الفتوحات، ج ١، ص ١٢٧- ١٣١ و فيه: «قال لي بعض العارفين: لمّا دخلت ...» مع تصرف من الشارح بالتلخيص.