شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٧٨ - المقام الثاني بيان مسمى الكلمة الشريفة
شرح: هذا هو المقام الثاني و هو بيان مسمّى الكلمة الشريفة؛ فأوّل ما قال فيه:
انّ اللّه لا حدّ له، أمّا «الحدّ» بمعنى النهاية حسيّة كانت أو عقليّة فانتفاؤه ظاهر، إذ الأوّل يستلزم التقدّر، و الثاني يوجب انتهاء وجوده عند ذلك الحدّ، و هو سبحانه لا نهاية لوجوده؛ و أمّا الحدّ بمعنى المعرّف الكاشف فهو أيضا لا يمكن لأنّه يتيسّر بتعرّف جميع مظاهره في العالم و ليس ذلك في وسع أحد، و لأنّ التعريف إمّا بالحد فليس للألوهيّة جنس فيتركّب و إمّا بالرسم و ذلك بالأعراض الذاتية و ليس لها عرض ذاتي لاستدعائه اجتماع الفعل و القبول و هو في الواحد المبسوط ممتنع. ثمّ لمّا كان معرفة الشيء إمّا بهذه الطرق و قد عرفت حالها و إمّا بحكم الأمثال و الأشباه و هذا أيضا مستسحيل هناك و قد سبق مرارا، فلذلك قال عليه السّلام: «و لا يعرف بشيء يشبهه» أي لا شبه له حتّى يعرف به و هذا مثل قول العرب: «و لا أرى الضب بها فيتجحّر» [١] ثمّ قال: «و لا يهرم للبقاء» الهرم انّما يعرض للقوى الجسمانية لوقوعها في الزمان و ما لا حاجة له الى القوة و لا يقع في زمان من الأزمنة فلا يهرم، و من المستبين انّ الغرض من هذه العبارة انّه تعالى ليس لبقائه امتداد أصلا، و إلّا لكان معروضا للكمّ، خلافا لجماعة قاصرة الأفهام، حيث زعموا لبقائه سبحانه امتدادا و ينتزعون بزعمهم من هذا البقاء الزمان الموهوم الفاصل بين المبدأ و العالم. ثمّ ذكر- عليه السّلام- حكما آخر: «و لا يصعق لدعوة شيء، و لخوفه تصعق الأشياء كلّها» الدعوة التي تصعق بها الأشياء هي دعوة الحق للخلق و طلب العالي إقبال السافل و أمره بالرجوع الى وطنه الأصلي، و العود الى أصله الكلّي، و أمثال هذا الأمر هو التجافي عن دار الغرور التي هي الجهة التي للأشياء الى ذواتها و التوجّه الى الوجه الذي الى عللها، و هذا هو معنى «الإقبال» من وجه في «حديث العقل» و لمّا لم يكن للجهل وجه الى الحق فلذلك لم يتحقق الإقبال منه، و ليس فوقه سبحانه ما يدعوه حتّى يصعق، لكنّ الأشياء التي صدرت منه تصعق لدعوة من مخافته.
[١] . من أمثال العرب. و التجحّر: الدخول في الجحر.