شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٢١ - مبادي الكون
ثمّ اعلم انّ كلمة «كن» عبارة عن الأمر الإيجادي لإظهار ما هو المراد و إنشاء ما هو المقصود لرب العباد؛ فالكلمة الوجودية هاهنا تامة و المنصوب بعدها و هو قوله: «ظلّين» حال مؤكّدة للمراد. و انّما قلنا: «تامّة» لأنّ الهيولى لا مادة لها حتّى يتحقق فيها الجعل المركّب أوّلا بالقياس الى مادّتها.
و يحتمل ان يكون الاثنان [١] عبارة عن الماء العذب و الأجاج اللذين هما أصل الخلق، و يمكن أن يكون إشارة الى مبادي الوجود فيحتمل أن يكون الاثنان هما العقل و الجهل، فاحدهما مجعول بالذات و الاخر بالعرض. و يحتمل أن يكون جملة الأسماء الجمالية و جملة الأسماء الجلالية. و أمّا الذي سنذكره من قول المصنّف- رحمه اللّه- فلا أعلم له وجها ظاهرا اللّهمّ إلّا أن يصل إليه خبر مروي قال- رضي اللّه عنه- بهذه العبارة.
قال مصنّف هذا الكتاب: معنى قوله: «هو نور» أي منير و هاد، و معنى قوله:
«كونا ظلّين» الروح المقدس و الملك المقرب، و المراد به انّ اللّه كان و لا شيء معه، فأراد أن يخلق أنبياءه و حججه و شهداءه؛ فخلق قبلهم الروح المقدس و هو الذي يؤيد اللّه به أنبياءه و حججه و شهداءه- صلوات اللّه عليهم- و هو الذي يحرسهم به من كيد الشيطان و وسواسه، و يسدّدهم و يوفّقهم و يمدّهم بالخواطر الصادقة؛ ثمّ خلق الروح الأمين الذي نزل على أنبيائه بالوحي منه عزّ و جلّ، و قال لهما: «كونا ظلّين ظليلين لأنبيائي و رسلي و حججي و شهدائي» فكانا كما قال اللّه عزّ و جلّ، ظلّين ظليلين لأنبيائه و رسله و حججه و شهدائه يعينهم بهما و ينصرهم على أيديهما و يحرسهم بهما. و على هذا المعنى قيل للسلطان العادل: انّه ظلّ اللّه في أرضه لعباده، يأوي إليه المظلوم، و يأمن به الخائف الوجل، و يأمن به السّبل، و ينتصف به الضعيف من القوي. و هذا هو سلطان اللّه و حجّته التي لا تخلو الأرض منه الى أن تقوم الساعة»- انتهى كلامه.
قوله: «فأراد أن يخلق أنبياءه» قريب ممّا قلنا من مظاهر العظمة و الكبرياء،
[١] . الاثنان: الآيتان م.