شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤١٦ - المبحث الثاني ما يتعلق بقوله «و ليس شيء غيره» الى قوله «و لا رياح»
عديم وجوب الوجود [١] لذاته، فانّ الشيء لا يكون مع الشيء إلّا بحكم الوعيد أو الوعد بالخير، و هذا لا يتصوّر من الدون للأعلى. فالعالم لا يكون مع اللّه أبدا سواء اتّصفت بالوجود أو العدم. و الواجب الوجود لذاته يصح له نعت المعيّة مع العالم عدما و وجودا» انتهت كلمات هذا العارف.
ثمّ انّ الإمام- عليه السّلام- ذكر نعوت الذات و الفرق بينها و بين الصفات، كما سيأتي في خبر عبد الملك انّ الصفات له تعالى و أسماؤها جارية على المخلوقين، و النعوت للذات لا يليق إلّا بها؛ فمنها، كونه نورا لا ظلام فيه، فالنور هو الظاهر بنفسه المظهر لغيره، و ذلك لأنّ الأشياء و إن كانت ظاهرة، لكن ليس ظهورها بأنفسها بل بجاعلها، و مع ذلك فلا يخلو من ظلمة إمكان و ظلمة نقص و ظلمة فقر، و هذه ظلمات ثلاث بعضها فوق بعض و هو سبحانه ظاهر بذاته من دون شوب ظلمة أصلا.
وجه آخر: انّ المقرّر الثابت بالبرهان بل بالعيان عند أهل المعرفة انّ اللّه سبحانه ظاهر ما غاب قطّ، و العالم غيب ما ظهر قطّ، و انّما الأعيان على سلبها البسيط أزلا و أبدا، و أكثر الناس على عكس ذلك من الاعتقاد، فانّهم زعموا انّ اللّه غيب ما ظهر قطّ، و العالم ظاهر ما غاب أصلا.
و منها، انّه صدق لا كذب فيه: اعلم انّ الصدق في القول على ما قاله إمام الكلّ مولانا أمير المؤمنين- عليه السّلام-: «هو مطابقة المنطق للوضع الإلهي» [٢] ثمّ كما يكون الصدق في الأقوال يكون أيضا في الذوات و الأحوال. فالصدق في الذوات أن ينطبق على مرتبة وجودها، و الصدق في الأحوال أن يثبت لموضوعاتها، و على الجملة، الصدق في الكلّي أن يطابق مراتب جزئياتها و يشتمل عليها بأن يكون عين كل واحد منها بمعنى انّ ذلك الجزئي هو الكلّي موجودا في الأعيان، لا انّ هاهنا
[١] . وجوب الوجود: الوجوب الوجودي (الفتوحات).
[٢] . أشرنا الى مأخذه سابقا.