شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٠٦ - الحديث الخامس في أن الله لا يوصف بعجز
قوله: «يلطّف» و «يعظّم» منه. و لمّا كان إبليس- لعنه اللّه- شأنه الإلقاء في الحيرة و إبداء الشبهة حسن أن يحمل السؤال على التشكيك و إرادة التبكيت، فصورة الجواب هاهنا: انّ القدرة يطلق على معنيين كما دريت سابقا: أحدهما، كون الفاعل إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل، و الثاني كونه بحيث يصحّ له الصدور و اللّاصدور، فإن أراد السائل بقوله: «أ يقدر ربّك» القدرة بالمعنى الأوّل، قلنا هو قادر على ذلك و صدق الشرطية لا ينافي استحالة المقدّم في نفسه، و إن أراد المعنى الثاني قلنا انّه غير عاجز عن ذلك، و لا يوصف بالعجز أصلا لأنّ هذا المعنى من القدرة لا يقابله العجز بخلاف المعنى الأوّل، فانّه يقابله العجز، فربما شاء و لم يتمكّن من الفعل، إذ لعلّ عدم صدوره عنه لنقص فيه، و عدم قبول للوجود لامتناعه في ذاته، و ذلك لأنّ من الماهيّات ما يقتضي الوجود لذاته و يستحقّه بمحض افتقاره و فقره الذاتي، و منها ما يقتضي و يوجبه المادة التي هو فيها، و البارئ الجواد يعطي كلّا منهما على ما يطلبه و يستحقّه، و الممتنع لا ذات له حتّى يمكن الطلب الذاتي، و لا مادّة له حتّى يتحقّق الطلب الاستعدادي. و هذا الجواب أيضا يصلح عن السؤال على وجه الامتحان كما في خبر الزنديق و سؤاله عن ذلك أبا عبد اللّه- عليه السّلام- لكنّ الإمام سلك مسلك الواقع لما قلنا.
و لبعض أهل المعرفة [١] طريقة غريبة في دخول الكبير على الصغير من غير تصغير للأول و تكبير للثاني و نحن نذكرها مع تلخيص ما قال: اعلم انّ اللّه تعالى ربّ كلّ شيء و مليكه، فكلّ ما سواه مربوب و مالك له، و لا معنى لكون العالم ملك اللّه إلّا أن يكون تصرّفه فيه على ما يشاء من غير مانع أصلا فتنوّع الحالات على العالم هو تصرّف الحق فيه على ما يريد. ثمّ انّ اللّه تعالى لا يكرّر تجلّيا على شخص مرّتين و لا يجعله مشتركا بين شخصين للتوسع الإلهي، و انّما الأمثال و الأشباه توهّم الرائي و السامع للتشابه الذي يعسر فصله إلّا على أهل العرفان، و من جملة الاتّساع الإلهي انّ اللّه أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، و ميز كلّ شيء في العالم بأمر هو الذي
[١] . و هو محيي الدين بن عربي في الفتوحات، ج ٣، ص ١٧٢ مع شرح و اضافات.