شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٠٨ - فصل في ان«الحجب» هي«الأنوار» و هي حقائق موجودة
الأبيض هو النور المتولّي لإفاضة المعارف و العلوم و الصناعات»- انتهى كلامه.
و عندي: انّه- رضي اللّه عنه- لم يصب في مرماه و لم يحم من الخبر حول مرماه، لما عرفت من انّ تلوّن الأنوار انّما هو بالقرب من موطن الأجرام و البعد عنها و التوسط بينهما، و ليس في الأنوار العقلية الصّرفة اختلاف لون، و لا بينها تفاوت في قرب بالنظر الى هذا العالم، بل نسبتها جميعها سواسيّة، فهي في البعد الأبعد منها باعتبار، و القرب الأقرب باعتبار، لا انّ بعضها قريب و بعضها أقرب؛ و أيضا، مطالعة النفس صور الحقائق المنطبعة في العقول قول مشهوريّ و قد عرفت من تحقيقاتنا حقيقة الأمر فيه؛ و أيضا هذا الخبر بيان أمر المعراج و ليس هو عقليّا صرفا كما توهّمه المقتنع [١] بظواهر الحكمة المشّائية، بل هو واقع بجسمه المبارك و نفسه الشريفة و روحه القدسيّ فهو- صلّى اللّه عليه و آله- أحاط في هذا الإسراء بجميع العوالم الثلاثة بحيث صار جسمه كأنّه جسم الكل، و نفسه نفس الكل؛ و عقله عقل الكل، فلمّا رأى بقلبه، أي حين استوائه على عالم الوجود و استقامته على نقطة الاعتدال بحيث استوت نسبته الى كل ضوء و فيء، رأى نفسه على صورة الشابّ الموفّق الذي وجهه كنور القمر ليلة البدر في كمال البياض و هو النور العقلي القاهر، و أوسطه في استقامته، و اعتداله في النور الأحمر النفسي لتوسّطه بين عالم العقل و عالم الطبع، و رجلاه في النور الأخضر الجسمي اللطيف الصافي من شوب الفلكية و العنصرية؛ هذا إذا أخذ: «الجعل» في قوله: «جعله في نور» متعلّقا بالرّسول- صلّى اللّه عليه و آله- و أمّا إذا تعلّق «الجعل» بالقلب فمن البيّن انّ للقلب ثلاث جهات: جهة الى عالم العقل الذي جاء منه، و جهة الى عالم النفس إذ القلب في الأخبار عبارة عن مرتبة تنزّل الرّوح الى رتبة قريبة من النفس، و جهة الى عالم الجسم من حيث تدبيره فيه، فالمعنى على هذا التقدير: انّه صار قلبه مستغرقا في هذه الأنوار الثلاثة محيطا بها، فهو واقف في مقام الجمع و منزل الاستواء، فيكون قدم قلبه واقعا في النور الأخضر، أي عالم الأجسام؛ و اللّه أعلم.
[١] . المقتنع: المقنع م ن د ب.