شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٨١ - الحديث الثاني كلام في أفعال العباد و المذاهب في ذلك من المجبرة و المفوضة و القائلين بالأمر بالأمرين
و لا على فعل نفسه، إذا كان بالوجوب السابق من فعل نفسه أو فعل غيره، و في إسناد الظلم و الكفر و الشرّ الى اللّه.
و الأوّلان يشتركان في مخالفتهما للفطرة الإنسانية و البديهة العقلية و في بطلان الثواب و العقاب و التكليف و الشرائع. و ادّعى الفخر الرازي اشتراك الثالث مع الأولين في هذا الأخير، و لا يخلو من قوة حيث قال: لا فرق في العقول بين فاعل القبيح و الظلم و بين فاعل ما يوجب القبيح و الظلم.
و أمّا المفوّضة القدريّة، الذين سمّوا نفسهم «أهل العدل» [١] و في الخبر [٢] عن أهل البيت- عليهم السّلام-: انّ المفوّضة قوم أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله فأخرجوه من سلطانه، و هم القائلون بثبوت استقلال العباد في أفعالهم من دون مداخلة تدبير اللّه فيها على وجه يجري عليهم مقتضى الحكمة و المصلحة من غير إجبار و إيجاب، و من دون وجوب سابق. و من أصولهم انّ العباد قادرون على الفعل و الترك قبل وقتهما، فهم مستقلون بالقدرة على الفعل و الترك الاختياريّين، و انّ مقدور العباد ليس بحيث إن شاء اللّه وقع و إن لم يشأ لم يقع، حتى انّه إذا شاء الطاعة من العاصي و شاء إبليس المعصية منه لا يكون ما شاء اللّه و يكون ما شاء إبليس، و ليس في مقدور اللّه تعالى ما لو فعله بالعاصي لأطاع، و لو كان مقدورا له لفعله بناء على وجوب كل لطف ناجع على اللّه في زعمهم. و هذا المذهب فاسد كالأوّل، بل أشنع و أفضح، لأنّ ذلك قول بالشرك الجلي و لذا ورد في الخبر، انّ «القدرية مجوس هذه الامّة» [٣] و ذلك لقولهم بوجود إلهين للخير و الشر. في الكافي [٤] عن الحسن بن علي
[١] . في باب هذا الاسم راجع: الملل و النحل للشهرستاني، ج ١، ص ٥٦ و لمزيد التفصيل:
المعتزلة لزهدي حسن جار اللّه ص ٥.
[٢] . لعلّه اشارة الى ما في الكافي: ج ١، ص ١٥٨ (باب الجبر و القدر، حديث ٦): «عن أبي عبد اللّه- عليه السّلام- قال: قال رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-: «... من زعم ان الخير و الشر بغير مشيئة اللّه فقد أخرج اللّه من سلطانه ...»؛ بحار ج ٥ ص ٤- ٦ و ص ٥٤.
[٣] . الكافي: ج ١ (كتاب التوحيد، باب الجبر و القدر) ص ١٥٥، قريب منه و في مقدّمة سنن ابن ماجة، ص ١: «انّ مجوس هذه الامّة المكذّبون بأقدار للّه». راجع أيضا: سنن الدارمي، كتاب السنة، ص ١٦؛ بحار، ج ٥ ص ٦.
[٤] . الكافي، ج ١، ص ١٥٧؛ بحار، ج ٥، ص ١٥.