شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٣١ - انتقاد في سر كون قراءة الفاتحة بمنزلة قراءة سبع القرآن
كما قال جلّ و علا: وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [١] «و الكلم الطيب» هي المعارف الحقّة و الحقائق الإلهية، ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [٢] و قد عرفت و من البيّن انّ القرآن هو جملة الحقائق الإلهية و الأنوار العقليّة المتلبّسة بلباس الألفاظ و الحروف، لأنّه تفصيل كلّ ما في العالم العلوي و السفلي و فيه تبيان كل شيء.
و معنى صعود الملائكة و الروح الى اللّه في تلك المدّة هو صعود تلك الحقائق و المعارف إليه. و أقلّ ذلك انهم يصعدون إليه بهذه الأنوار و اللّطائف، و الّا فهو سبحانه أقرب من كلّ قريب و هو أقرب إليكم من حبل الوريد [٣]، و لا يخفى عليه خافية في الأرض و لا في السماء، فصعود جميع حقائق المنزلة من عنده إليه هو المعبّر عنه بعروج الملائكة و الروح إليه في تلك المدّة. و ذلك بالتخليص من أوزار الدار المخلوطة خيراتها بالشرور، و التطهير من ألواث نشأة دار الغرور. و بالجملة، ظهر من تلك البيانات انّ جملة الحقائق الإلهية و قاطبة الأنوار العقلية الّتي تقلّبت في الآثار و تطوّرت بالأطوار هي الخمسون ألف، فإذا تخلّصت كل التخلّص و تمحّضت غاية التمحّض من كسوة الآثار انتقلت العمارة الى دار القرار. فالآيات السبعة المندرجة في الفاتحة التي هي «السبع المثاني» [٤] هي كليات سبعة آلاف من تلك الحقائق. و لا يبعد أن يكون سرّ «المثاني» ذلك الاشتمال الكلي فيكون سبع الخمسين، و الكسر غير ملحوظ في تلك المقامات، كما يعرفه أرباب الدرايات.
و لذلك ورد في الأخبار انّ: من قرأ فاتحة الكتاب فكأنّما قرأ سبع القرآن. و لمّا لم
[١] . فاطر: ١٠.
[٢] . النحل: ٩٦.
[٣] . اقتباس من قوله تعالى: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (ق: ١٦).
[٤] . على ما في تفسير مجمع البيان، ج ١، ص ٨٧، كلّ من «السبع» و «المثاني» اسم لفاتحة الكتاب. و قال الرازي في التفسير الكبير، ج ١، ص ١٧٥: «الاسم الرابع من أسماء هذه السورة «السبع المثاني»، قال اللّه تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي. ثمّ ذكر في سبب تسميتها بالمثاني وجوها.