مع صاحب الجواهر و موسوعته - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٦٠
المجموعات شخص معروف بالبسالة والشجاعة يدُعى عبّاس الحداد. وكانوا عندما يخرجون للتدريب خارج المدينة واصطياد الطيور والظباء ومتابعة قطّاع الطرق يكثرون من لفظ ((زقرت)) أو ((زقرتات)) ، وهذه اللفظة مأخوذة من الزَّقْر لغة في الصقر ؛
ولاستمرار لهجتهم بها صارت علماً لهم.
وكان في منطقة الرحبة خارج النجف شخص يُدعى السيّد محمود قد نزل هناك واستنبط العين التي عفتها الرمال بدلالة بعض البدو فتحوّلت الصحراء القاحلة بسببها إلى واحة خضراء من النخيل والمزارع، واجتمع حولها الفلاحون، فصارت قرية صغيرة تحيط بقصر السيّد المذكور الذي بناه لراحته والتحصّن به، وكان معروفاً بالكرم والضيافة . وعندما هاجم الوهابيون مدينة النجف كانوا يمرّون عليه فيكرمهم وينعم عليهم ليسلم من غائلتهم وفتكهم فطلب منه الشيخ جعفر كاشف الغطاء+ أن يكون عيناً له هناك وأن يُرسل شخصاً إلى النجف عند مجيء الوهابيّين لتتخذ النجف التدابير اللازمة للمقاومة، فاعتذر من ذلك وقال: إنّي رجل مزارع وأخاف على أهلي ومالي من هؤلاء ، فاستاء الشيخ من ذلك. وكان للسيّد المذكور اختان يرفض تزويجهما حتّى لأبناء عمومته ويعدّ ذلك عاراً، فشكا أبناء عمومته الأمر إلى الشيخ جعفر كاشف الغطاء+، فأرسل الشيخ عبّاس الحداد مع سبعين مسلّحاً من طلاب العلم وأهالي النجف لإحضاره طوعاً وإلا فكرهاً، فامتنع من الحضور وأغلق باب القصر وتحصّن فيه وفرّ عنه أصحابه ومرتزقته . ونام الحداد وجماعته تلك الليلة في البساتين المحيطة بالقصر وفي صبيحتها وجدوا السيّد محمود مقتولاً في قصره، ووجهت التهمة إلى أبناء عمّه الذين تنازعوا معه . وكانت الحادثة المذكورة عام ١٢٢٨هـ ، وبعدها بسبعة أشهر توفي الشيخ جعفر كاشف الغطاء+، وتولّى شؤون المرجعية بعده ولده الشيخ موسى+.
وكان بين السيّد المذكور وعشيرة الملا محمّد طاهر سادن الروضة خؤولة بعيدة لا تكاد تذكر، وكان الملالي ـ وهم أسرة الملا محمّد طاهر من اسر العلم والفضل النجفيّة ـ قبضوا على زمام الزعامتين الدينية والبلدية وتمكّنوا طيلة ثلاثة قرون من سدانة الحرم العلوي المطهّر، وكان لبعضهم زمام الحكم المطلق من قبل العثمانيين مقابل أداء الضرائب والرسوم المالية إلى والي بغداد. واشتهروا بلقب ((الملالي)) لنسبتهم إلى الملا عبد الله اليزدي صاحب الحاشية المنطقية، وكانوا يتحاملون على طلاب العلوم الدينية ويعيشون حالة الحرب الباردة معهم، حتّى كانت حادثة القتل المذكورة، فانفجر بركان الغضب المكبوت في صدورهم مطالبين بثأره، فقام الملا محمّد طاهر بغلق أبواب الصحن الشريف إلاّ باب الطوسي وكان يجلس في الباب مع عبيده السود، وكل من دخل من أبناء العلم يضرب ويُشتم ويُهان، فاحتجب الشيخ وأولاده في دارهم وتكتّلت النجف لحسابهم، فمن تبع الملالي سمي بـ ((الشمرت)) ومن تبع الشيخ وجماعته سمّي بـ ((الزقرت)) ، وكبر ذلك في صدور أتباعه، فأطلقوا رصاصة في فم الملا محمّد طاهر في الحرم العلوي الشريف وقتلوه، فتولّى السدانة بعده ابنه ملا سليمان . وكانوا يصعدون المآذن والأماكن المرتفعة ويتراشقون بالأسلحة النارية . ووصل الأمر إلى داود باشا والي بغداد فأمر بعزل ملا سليمان من سدانة الروضة ونصب عبّاس الحداد محلّه، فتتبع ((الشمرت)) وطردهم من النجف وقتل بعضهم، فاشتد حنقهم فتربصوا له وقتلوه عام ١٢٣٤ هـ ثُمّ رجعوا إلى النجف واعتذروا من أولاد الشيخ جعفر كاشف الغطاء+ ورجعوا إلى سدانة الروضة العلوية .
ولكن بقيت الفتنة يستعر أوارها بين الفينة والأخرى فتنشب المعارك الدموية الطاحنة بين الفريقين، وهكذا استمرّ الوضع المأساوي مدّة قرن من الزمان.