تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٥٤٦ - فصل في المرجّحات النوعية
أوّلاً: أنّ عناية النسخ ليست عناية التقييد في الدليل الدالّ على الحكم، بل عنايته عناية رفع الحكم بجميع خصوصيّاته وإن لم يكن كذلك واقعاً، فالناسخ يرفع الحكم من أصله لا أنّه يضيق دائرته.
وثانياً: أنّ الدوران بين النسخ والتخصيص لا يختصّ بما إذا كان العموم الزماني مستفاداً من الإطلاق، بل قد يكون مستفاداً من العموم اللفظي، كما إذا قال: أكرم العلماء في كلّ زمان، فيكون النسخ من قبيل التخصيص في الأزمان، كما أنّ العموم الأفرادي أيضاً ليست مستفاداً من اللفظ مطلقاً، بل قد يكون مستفاداً من الإطلاق، كما إذا قال: أكرم العالم في كلّ زمان، فالنزاع في تقديم واحد منهما على الآخر ليس من حيث كون العموم الأفرادي مستفاداً من اللفظ والاستمرار من الإطلاق.
ومع ذلك كلّه الأقوى تقديم التخصيص على النسخ مطلقاً، وذلك بدليل سيرة أصحاب الأئمّةG، فإنّه غير خفيّ على من راجع طريقة الأصحاب أنّ المحكّم عندهم إخراج مورد الخاصّ عن حكم العامّ في أمثال المقام، فإنّه لو لا ذلك لكان اللازم عليهم تثبيت تاريخ صدور الأخبار، وكذلك استخبار حال الدليلين وزمان صدورهما عند ورودها عليهم وأنّ أيّهما مقدّم وأيّهما مؤخّر، مع أنّ المقطوع من سيرتهم خلاف ذلك؛ إذ لو كان بنائهم على ذلك مع كثرة الابتلاء به لكانت من الواضحات، وحيث ليس كذلك يستكشف عدمه وأنّهم كانوا يقدّمون الخاصّ على العامّ، سواء ورد وقبل العامّ أو بعده وقبل العمل بالمتقدّم أو بعده، ولم يكن عندهم احتمال كون العامّ ناسخاً للخاصّ كما لا يخفى.
ولعلّ سرّ ذلك أنّ عناية النسخ جعل الحكم من زمان ورود الناسخ، والظاهر