تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٢٨١ - أحدهما في تعارض الاستصحاب مع سائر الاُصول العملية
ما حكمت بإكرام الفاسق، فإنّه مقدّم على الأوّل من دون ملاحظة النسبة بينهما، وفي الحقيقة ففي كلّ من قسمي الحكومة لابدّ وأن يكون الحاكم ناظراً إلى المحكوم، إلا أنّ في الأوّل ناظر إليه ويردعه بلسان نفي موضوعه، وفي الثاني ناظر إلى الحكم والجعل، فليس المدّعى تقدّم كلّما كان لسانه نفي الجعل، بل إذا كان لسانه ناظراً إلى الجعل الآخر، وهنا من هذا القبيل، كأنّه قال: هذا حلال للشاكّ، ثمّ قال: ليس حكم الشاكّ لمن كان على يقين، فهو وإن لم ينف الشكّ، لكنّه إنّما نفي شمول حكمه وتشريعه له، وهذا نظير قاعدة لا ضرر ولا حرج وأمثالهما، حيث إنّ إطلاق الأدلّة الأوّلية يشمل مواردهما، ولكنّ القاعدة يحكم بعدم الجعل في موردها ادّعاءً، مثل ادّعاء عدم جعل وجوب الإكرام لزيد بعد قوله: أكرم العلماء.
ولعلّه تلخّص ممّا مضى الفرق الواضح بين لسان دليل حجّية الأمارة والاستصحاب وسائر الاُصول، فإنّ لسانه في الأوّل: لا ينبغي لك أن تشكّ وليس لأحد أن يشكّ في ما روى عنّا ثقاتنا... ولسان الثاني: لا تعتن بالشكّ ولا تعمل بحكمه ولسان الثالث: أنّ حكم الشكّ كذا، وتقدّم الثاني على الثالث والأوّل عليهما واضحة بحمد الله وله المنّة.
ثمّ ليذكر أنّ هذا كلّه في الاستصحابات الجارية في الأحكام، وأمّا الشبهات الموضوعية فتقدّم الاستصحابات الجارية فيها على أصالة البراءة أوضح، لأنّها من قبيل الأصل السببي، ويأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.