تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٢٩٢ - البحث الثاني في تعارض الاستصحابين
أقول: قد تقدّم في بحث البراءة مستقصى أنّ الكبرى المذكورة وإن كانت متينة جدّاً إلا أنّ موارد العلم الإجمالي جلّها بل كلّها من قبيل العلم بالحجّة الإجمالية، لا العلم بالإرادة الواقعية النفس الأمرية، وإلا فلو وجد مورد كان هكذا، وجب فيه الاحتياط وتحصيل الموافقة القطعية، بل لو وجدنا مورد الشكّ البدوي هكذا بمعنى أنّه علمنا أنّ على فرض ثبوته كان على طبقه إرادة فعلية واقعية نفس الأمرية، كان يجب الاحتياط ولم يجز الرجوع إلى البراءة.
وحيث لا نعلم بالإرادة النفس الأمرية، وإنّما يكون ظاهر الحجّة دليلاً وكاشفاً عنه يجوز للشارع الترخيص فيه، سواء في الشبهات البدوية أو المقرونة بالعلم، وترخيصه يستكشف عن عدم وجود الإرادة النفس الأمرية في مورده، ولا إشكال.
وحينئذٍ فلا مانع من العمل بالأصلين من جهة العقل، وإنّما المانع منه الأخبار الذي يستفاد من مجموعها وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة، فيلزم منه سقوط الأصلين بعد تعارضهما، فتدبّر.
وممّا ذكر يظهر حال ما إذا لم يلزم من العمل بهما مخالفة عملية قطعية؛ لعدم إمكانها كما مثّلنا في الماء المتمّم كرّاً، فيتساقطان ويرجع إلى قاعدة الطهارة.
وأمّا إذا أمكن العمل بهما ولم يلزم منه مخالفة عملية قطعية، كما لو توضّأ اشتباهاً بمائع مردّد بين البول والماء، فالعلم الإجمالي بارتفاع أحد المستصحبين فيه غير مؤثّر شيئاً، فمخالفته لا توجب مخالفة عملية لحكم شرعي، فيحكم ببقاء الحدث وطهارة الأعضاء استصحاباً لهما.
وأوضح منه ما إذا لم يترتّب الأثر في زمان الشكّ إلا على أحدهما، كما في