تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ١٦٩ - التنبيه السابع في الأصل المثبت
الواسطة فعندئذٍ لا حاجة إلى التشبّث بخفاء الواسطة، بل يكفي صرف الاستصحاب كسائر المقامات، وإلا فإن كان الدليل قاصراً عن عدّه أثر المستصحب فلا عبرة بعدّ العرف وخطائه في المقام لكون العرف حجّة في باب تعيين المفاهيم وحدودها، لا التطبيق وتشخيص المصاديق....[١]
وفيه: أنّ الشارع إنّما يخاطب الناس بلسانهم وعلى قدر عقولهم، فكما أنّ فهم العرف متبّع في تحديد المفاهيم والمعاني فهكذا متّبع في تشخيص المصاديق، فلو كان لون الدم دماً عقلاً ولم يكن كذلك عند العرف فلا تشمله الأدلّة والخطاب، مع وضوح مفهومه وأنّه مصداقه عقلاً وواقعاً.
وبالجملة: لا مجال للتفكيك في مرجعيّة العرف بين تشخيص المفاهيم والمصاديق.
وحينئذٍ، فلو فرضنا أنّ ظاهر الدليل أنّ الموضوع هو سراية النجاسة، ومع ذلك يرى العرف أنّ مصداقه حاصل بمجرّد رطوبة النجس فيرتبّه على نفس الرطوبة من دون لحاظ الواسطة، بل يراهما متّحدان مصداقاً ووجوداً، فلا بأس بترتّبه على استصحابها.
وهذا غاية ما يمكن أن يقال في بيان حجّية المثبت مع خفاء الواسطة، وملاكه أن يرى العرف المستصحب مصداقاً للموضوع حتّى مع نظره الدقّي ـ لا النظر المسامحي، فإنّه لا يعبأ به ـ وهذا ممّا يمكن أن يختلف فيه نظر الفقهاء والناظرين.
وأمّا المثال المذكور في كلام الشيخ فلعلّ وجه تمسّك بعضهم بالاستصحاب
[١]. فوائد الاُصول ٤: ٤٩٤ ـ ٤٩٥.