تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٦١١ - فصل التخطئة والتصويب
وأمّا الاحتمال الثاني فيجري فيه الإشكال من جهة الخلف ولزوم اجتماع الظنّ والقطع.
وأمّا الاحتمال الثالث فيجري فيه الإشكال الأخير أيضاً أي لزوم اجتماع القطع والظنّ، فما في «الكفاية» من أنّ الاحتمال الأخير غير محال[١] قابل للمنع. على مبناهم من الاتّكال على الإشكالات المذكورة حتّى الأخير.
لكنّ الذي يبدوا بالنظر أنّ مراد القائلين بالتصويب إنّما هو الاحتمال الأوّل، كما يظهر من الدقّة فيما حكيناه عن «الرازي» و«الغزّالي»؛ لأنّ مرادهم من الاجتهاد إنّما هو اتّخاذ الرأي فيما لا دليل عليه من الكتاب والسنّة ـ كما سبق ـ اتّخاذاً ممّا روي عن قول معاذ: «أجتهد برأيي»[٢] وكأنّهم تخيّلوا أنّه حيث لا يكون في الكتاب والسنّة دلالة، فليس فيه حكم مجعول من قبل الشارع إلا ما يستصلحه المجتهد، فكأنّه فوّض الله تعالى الحكم إليهم واستصلاحهم واستصوابهم.
ولعلّه لا يرد عليهم إلا أنّه مخالف للإجماع والروايات. وأمّا الوجوه المدّعية لاستحالته فقد عرفت الخدشة في الأوّل والثاني والثالث، وإنّما بقي الإشكال عليهم باستحالة حصول الظنّ بحكم مع القطع بعدمه، وهو أيضاً مدفوع بأنّهم يزعمون فقدان الحكم فيما لا نصّ عليه من الكتاب والسنّة، وإنّما يجتهدون لتحصيل الظنّ بالحكم؛ أي بما ينبغي أن يكون حكماً في الواقعة وكان المجتهد نفسه مقنناً، ويجتهد في الظنّ بما هو مقتضى المصلحة والاعتبار حتّى يحكم به، فإذا ظنّ وحكم به فيحكم الله على وفقه، كما هو مقتضى ظاهر ما نقل عن المعاذ، فالإشكال الوحيد هو الإجماع والأخبار المتواترة كما عرفت.
[١]. كفاية الاُصول: ٥٣٦.
[٢]. سنن أبي داود ٢: ٣٢٧ / ٣٥٩٢.