تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٢٧٣ - المقام الثاني اعتبار عدم الأمارة المعتبرة في مورد الاستصحاب
٤. إنّ اعتبار الأمارات ـ تأسيسية كانت أو إمضائية ـ سواء كان بلحاظ تنزيل المؤدّى أو بلحاظ تتميم الكشف يستلزم الآخر من دون محذور الجمع بين اللحاظين.
فإن كان الملحوظ هو تتميم الكشف وإلغاء الاحتمال وجعله بمنزلة العلم، فلا ريب أنّه ليس بمعنى جعله كالعلم صفة، بل بما أنّه يكشف عن مؤدّاه ويوجب البعث والحركة على مقتضاه، فكما أنّ صورة العلم بالواقع لابدّ من ترتيب آثار الواقع، فكذلك مع الأمارة.
وإن كان الملحوظ هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فليس مفاد الأمارة تنزيل المؤدّى تعبّداً فحسب، بل من جهة كونه محكيّاً بها، فوزان اعتبارها وجعله كالواقع وزان المرشد، فكما أنّ المرشد حقيقة يكون غرضه رفع الشكّ من المسترشد، كذلك المتعبّد بلسان الإرشاد يفهم منه العرف أنّ غرضه رفع الشكّ تعبّداً، وهو راجع إلى رفع آثاره.
وبعبارة اُخرى: إنّ المخبر الحقيقي يكون بصدد رفع جهل المخاطب وتبديله بالعلم حقيقةً، فإذا قال: «زيد قائم» فكأنّه يقول: «اعلم أنّ زيداً قائم»، فهذا المقصود مدلول التزامي للفظه عرفاً، وحيث إنّ دليل الحجّية أيضاً يجعله كالواقع بلسان الحكاية ـ لكن تعبّداً ـ فلازمه جعلها كالعلم أيضاً.
فقد تلخّص ممّا مرّ ظهور تقدّم الأمارات على الاستصحاب بالحكومة؛ إذ مفاد حجّيتها مشتمل على لزوم إلغاء احتمال الخلاف والشكّ وعدم الاعتناء به تعبّداً، وهو رافع لموضوع الاستصحاب وإن لم يكن بلسانه ناظراً إليه.