تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٤٦٥ - فصل الأصل الأوّلي في المتعارضين
تمكّن العبد يحكم العقل بأنّه معذور، بل قد ذكرنا في محلّه أنّه لا ينافي الفعلية أيضاً؛ ولذلك يتأسّف المولى على عدم قدرة العبد على امتثالهما فلا محذور في الجعل كما لا يخفى، فلا يكون العجز إلا عذراً من دون كونه مانعاً عن الجعل والفعلية.
وهذا بخلاف ما أوضحناه من التزاحم في مقام الجعل؛ إذ نفس الجعل لهما معاً محال، وكيف يجعل الحجّية لما يقتضى الفعل وهو الوجوب وما يقتضي الترخيص في الترك وهو الدالّ على عدم الوجوب ولو بالالتزام، فليس له جعل كلّ منهما إلا إذا لم يجعل الآخر، فتدبّر.
وبالأخير يمكن أن يقال: إنّه على السببية لا يوجب التزاحم لا في مقام الامتثال ولا في مقام الجعل، وذلك لأنّ مناط التزاحم هو العلم بوجود الملاك في الجانبين لا يمكن الجمع بينهما، فلو علم بعدم وجوده في أحدهما لم يتحقّق هناك تزاحم فكيف بما إذا علم بعدم وجوده في كلّ منهما.
إذا عرفت ذلك نقول عند تعارض الأمارتين واجتماع النفي والإثبات في مورد واحد، فعلى السببية يكون كلّ من الحكم وعدمه والفعل وتركه ذا مصلحة، وبعد تكافؤهما ـ كما هو المفروض ـ ينكسران فلا يبقى مصلحة ولا مفسدة، فيبقى مدلول الأمارتين بلا مصلحة وملاك أصلاً، فلا يبقى مورد للتزاحم لا في جعل المولى ولا في مقام الامتثال، بل يسقط كلّ من الخبرين عن الحجّية رأساً!!