تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٥١٢ - فصل أخبار التعارض ومناقشتها
بل لابدّ للحاكم من اختيار مضمون أحدهما والحكم على طبقه؛ لعدم فصل الخصومة إلا بذلك».[١]
واختار المحقّق الخراساني في «الكفاية» القول الثالث، وهو جواز كلا النحوين من الفتوى وقال: «لا إشكال...».[٢]
ولعلّ وجه جواز الأمرين أنّ أخذه بأحد الخبرين يصيره حجّة معيّنة في حقّه فله الإفتاء بمضمونه؛ لأنّ الإفتاء أيضاً عمل من أعماله، كما أنّ له الإفتاء بالتخيير في المسألة الاُصولية؛ لأنّّه الذي أدّى إليه فهمه بعد الفحص عن الدليل وجهات الترجيح، وحيث إنّ وظيفته مشترك مع المقلّد فيجوز الإفتاء له بالتخيير كما كان المجتهد مخيّراً. هذا.
والأقوى هو القول الأوّل المشهور وبيانه: إنّ الفتوى ليس إلا إظهار ما يستنبطه المجتهد من الأحكام، وما هو الحجّة للمقلّد هو نفس ما استنبطه المجتهد؛ ولذلك يكفي للمقلّد العلم بما استنبطه المجتهد بأيّ طريق كان، ولو لم يفت به المجتهد؛ أي لم يخبر به، وهذا بخلاف باب الحكومة والقضاوة، فإنّها تحتاج إلى إنشاء الحكم بصيغة «حَكَمتُ» ونحوها ولا يفيد الإخبار، والفرق بين المقامين أنّ الفتوى غير نافذ مع علم المقلّد بخلافه، والحكم نافذ ولو مع علم المترافعين بخطائه وأنّه خلاف الواقع، إذ المفروض أنّ أحد الخبرين لا يكاد يصير حجّة إلا بعد الأخذ به والبناء عليه، فمضمونه لا يكون حكم الله إلا في حقّ الآخذ به دون من لم يأخذ به، وتكليف المجتهد إنّما هو بيان أحكام المقلّدين،
[١]. فوائد الاُصول ٤: ٧٦٧ ـ ٧٦٨.
[٢]. كفاية الاُصول: ٥٠٧ ـ ٥٠٨.