تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٦٣١ - القول في أدلّة جواز التقليد
أقول: إن كان مراده من كونه بديهياً أنّه ممّا يستقلّ به العقل كامتناع اجتماع الضدّين والنقيضين فهو ممّا يكذبه الوجدان، بل العقل يحكم بلزوم الاحتياط دركاً لواقع مطلوب المولى ما لم ينجرّ إلى اختلال النظام، والظاهر عدم انجراره إلى ذلك خارجاً، لعدم ابتلاء غالب المكلّفين بالاحتياط، إمّا لحصول الاجتهاد لهم، أو لعلمهم بجواز التقليد من طريق آخر، فلا يبقى إلا بعض من المكلّفين، ولا يوجب احتياطهم اختلال النظام خصوصاً بملاحظة كون أطراف معلومهم عدّة أحكام يسيرة بما هو الفارق بين الإنسان والحيوان.
ولو فرض انجراره إلى اختلال النظام فيلزم رفع اليد عنه في الموهومات، ثمّ المشكوكات والاحتياط في المظنونات، كما هو المقرّر في نتيجة دليل الانسداد.
نعم، لو كان المسألة ممّا لا يمكن فيه الاحتياط، كما في دوران الأمر بين المحذورين مثلاً، فيمكن أن يقال إنّ مقتضى الانسداد هو العمل بالظنّ، وقول المجتهد أقرب ما يوجب الظنّ إلى الواقع.
وإن كان مراده أنّ هذه السيرة إنّما ينشأ من طبع الإنسان بحيث يحمل على التقليد بالطبع، كما لعلّه ظاهر قوله جبلّياً فطرياً، وقد قال بمثل ذلك في الاستصحاب وأنّه جبلّي الحيوانات أيضاً، فهو غير كاف للدليلية؛ حيث إنّ ذلك إنّما هو لعدم انقداح احتمال الردع في أذهانهم، وأمّا مع انقداحه فبقاء سيرتهم على ذلك غير معلوم، كما أنّ رجوع الحيوان إلى مأمنه ومكانه الذي خرج منه واعتاد إليه، إنّما هو لعدم انقداح احتمال خرابه وزواله، فلا يكفي ذلك ناهضاً لإثبات الجواز وإن كان العامّي الذي هو كذلك معذوراً عقلاً لجهله قاصراً.
ويمكن أن يقال: بأنّ التقليد من العالم جبلّي فطري؛ أي يحمل عليه بالطبع،