تقریر الاصول - المحقق الداماد، السيد علي - الصفحة ٦٤٨ - القول في أدلّة جواز التقليد
فمنها: ما رواه في «المستدرك» عن النجاشي في كتاب الرجال عن الباقرu قال: قال له (أبان بن تغلب) أبوجعفر: «اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس، فإنّي اُحبّ أن يرى في شيعتي مثلك».[١]
ومنها: ما عن معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبداللهu قال: «بلغني أنّك تقعد في الجامع فتفتي الناس»؟ قلت: نعم وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودّتكم وحبّكم فاُخبره بما جاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول جاء عن فلان كذا وجاءعن فلان كذا، فاُدخل قولكم فيما بين ذلك. فقال لي: «اصنع كذا فإنّي كذاأصنع».[٢]
ومنها: ما في «النهج» فيما كتب إلى قثم بن عبّاس وهو عامله على مكّة: «أمّا بعد فأقم للنّاس الحجّ، وذكّرهم بأيّام الله، واجلس لهم العصرين، فأفت المستفتي، وعلّم الجاهل، وذاكر العالم».[٣]
والطائفة الثانية: ما يدلّ بمفهومه على المطلوب.
فمنها: ما رواه في «الكافي» بسند صحيح عن أبي جعفرu: «من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه».[٤]
ومنها: ما عن حمزة بن حمران، قال: سمعت أبا عبداللهu يقول: «من استأكل بعلمه افتقر»، قلت: إنّ في شيعتك قوماً يتحمّلون علومكم ويبثّونها في شيعتكم فلا يعدمون منهم البرّ والصلة والإكرام. فقال: «ليس اُولئك بمستأكلين، إنّما ذاك الذي يفتي بغير علم ولا هدى من الله ليبطل به الحقوق طمعاً في حطام الدنيا».[٥]
وتقريب الاستدلال بالطائفتين كما في «الكفاية» بأنّهما تدلان على جواز الإفتاء منطوقاً ومفهوماً والملازمة العرفية بين جواز الإفتاء وجواز اتّباعه واضحة وهذا غير وجوب إظهار الحقّ، والواقع حيث لا ملازمة بينه وبين وجوب أخذه تعبّداً.[٦]
وبيانه أنّ الإفتاء والاستفتاء لا يقع في الخارج إلا مقدّمة للعمل وبلحاظه، ولا ريب أنّ جواز فعل لا يترتّب عليه أثر إلا العمل به، إنّما يكون بمعنى جوازه مع ترتّب الأثر المرغوب منه.
ونظيره ما يقال في قوله تعالى: )أحلّ الله البيع(،[٧] بناءً على كون المراد من الحلّية هو الحلّية التكليفية فقط، حيث ادّعى الشيخ١ أنّ المتبادر شرعاً من حلّ
[١]. مستدرك الوسائل ١٧: ٣١٥، كتاب القضاء أبواب صفات القاضي، الباب ١١، الحديث ١٤.
[٢]. وسائل الشيعة ٢٧: ١٤٨، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ١١، الحديث ٣٦.
[٣]. نهج البلاغة: ٤٥٧.
[٤]. وسائل الشيعة ٢٧: ٢٠، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ٤، الحديث ١.
[٥]. وسائل الشيعة ٢٧: ١٤١، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب ١١، الحديث ١٢.
[٦]. كفاية الاُصول: ٥٤٠ ـ ٥٤١.
[٧]. البقرة (٢): ٢٧٥.