بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٧٩ - هل يحرم الخروج من مكة لمن أتى بعمرة التمتع لغير الحج؟
تكون (حتى) في الروايات المذكورة للتعليل لا لبيان الغاية.
ولكن هذا الوجه ضعيف، فإن كون (حتى) غائية وإن كانت بحاجة إلى القرينة ككونها تعليلية، إلا أنه يمكن أن يقال: إنها في الروايات المذكورة لا تصلح لأن تكون تعليلية.
والوجه فيه: أن الخروج من مكة لما لم يكن في حدِّ ذاته موجباً لعدم التمكن من أداء الحج، بل الخروج مع بعض الخصوصيات التي لا تشكّل الحالة الغالبة للخروج فمن غير المستساغ عرفاً النهي عن الخروج من غير تقييد معللاً بما ذكر. أي أن الاعتماد على العلة في تحديد الحكم المعلل بها إنما يكون مقبولاً لدى العرف فيما إذا كان الأعم الأغلب من الموارد مما يثبت فيه الحكم لتوفر علة ثبوته فيها، وأما إذا لم يكن كذلك فلا يكون مقبولاً عرفاً.
مثلاً: إذا كان أغلب أنواع الرمان حامضاً يصح للطبيب أن يقول لمريضه: (لا تأكل الرمان لأنه حامض) بدل أن يقول: (لا تأكل الرمان الحامض)، أي يعتمد على التعليل في تحديد النهي عن أكل الرمان. وأما إذا فرض أن أغلب أنواع الرمان مما يخلو من الحموضة فلا يصح أن ينهى عن أكل الرمان من غير تقييد به مع التعليل بما ذُكر، فإنه غير مستساغ عرفاً.
وفي المقام لما كان الخروج من مكة لا يقتضي في حدِّ ذاته عدم التمكن من أداء الحج، بل يكون ذلك في خصوص الخروج إلى مكان بعيد وفي ضيق الوقت، أو الخروج محلاً مع عدم تيسر العود قبل انقضاء الشهر، وأما في غالب الحالات فلا منافاة بين الخروج من مكة وبين إدراك حج التمتع، فلا يصح النهي عن الخروج من غير تقييد والاعتماد في تحديده على التعليل بما ذُكر. وعلى ذلك فكون (حتى) في الروايات المذكورة للتعليل مما لا مجال للبناء عليه، بل يتعين كونها لبيان الغاية.
وأما ما ذُكر من أن الارتكاز المتشرعي قائم على عدم الخصوصية للبقاء في مكة في المدة الفاصلة بين عمرة التمتع وحجه فهو لا يقتضي كون (حتى) في الروايات المذكورة للتعليل، بل مقتضاه كون المراد بالخروج حصة خاصة منه،