بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٧١ - حول تحديد الجحفة وتعيين مكانها في هذا العصر
ثم إن قوله (قدس سره) ــ وفاقاً للسيد صاحب العروة (قدس سره) ــ: (إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها) ليس كما ينبغي، فإنه لا يقع قبل الجحفة ميقات آخر غير ذي الحليفة. فإن كان هو المقصود بـ(الميقات السابق) لكان ينبغي أن يقول: (حتى المدني إذا لم يحرم من ذي الحليفة). ولو كان المقصود به التعميم لمن لم يحرم من يلملم أو قرن المنازل أو العقيق وتجاوزه إلى الجحفة فهذا ــ مضافاً إلى ندرة وقوعه خارجاً ــ مما لا دليل على جوازه كما مرّ، أي لا دليل على أنه يجوز لليماني مثلاً أن يترك الإحرام من يلملم ويتجاوزه إلى الجحفة ليحرم منها.
نعم إذا كان ذلك بالسفر جوّاً فالظاهر عدم صدق التجاوز بالمرور على الميقات من أعالي الجو، فيجوز له حينئذٍ الإحرام من الجحفة استناداً إلى إطلاق صحيحة صفوان بن يحيى المتقدمة على كلام مرّ نظيره في ميقات ذي الحليفة، فليراجع.
الأمر الثاني: أن الجحفة كانت قرية عامرة كبيرة على عهد النبي ٦ حين جعلها ميقاتاً لأهل الشام وأضرابهم، وكان اسمها في ما سبق (مهيعة)، واختلفوا هل أنها سميت بالجحفة قبل الإسلام أو بعد ذلك، فقد ذكر الكلبي ــ كما حكي [١] عنه ــ: (أن العماليق أخرجوا بني عُبيل ــ وهم إخوة عاد ــ من يثرب فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم السيل فاجتحفهم فسميت الجحفة).
وقال ابن قتيبة [٢] : (يقال: إن الحجفة سميت الجحفة تلك السنة ــ أي سنة ثمانين ــ لأن السيل بها ذهب بكثير من الحاج وأمتعتهم ورحالهم، وكان اسمها مهيعة) [٣] .
ولعل الاحتمال الثاني هو الأقرب بملاحظة ما ورد في صحيح أبي أيوب
[١] معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع ج:٢ ص:٣٦٨.
[٢] المعارف ص:٣٥٧.
[٣] ويبدو أنه كان يتكرر وقوع السيل في هذه المنطقة، وممن ذهب ضحيته عام (٢٠٨) أو (٢٠٩)هـ حماد بن عيسى المعروف بغريق الجحفة. (لاحظ رجال النجاشي ص:١٤٣، وتهذيب الكمال ج:٧ ص:٢٨١ــ٢٨٢).