بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٠٤ - حدود مكة القديمة
دائراً بين الأقل والأكثر تجري أصالة البراءة عن الأكثر، وإذا كان دائراً بين التعيين والتخيير تجري أصالة البراءة عن التعيين على رأي كثير من الأصوليين. وأما في الثانية فالمحكم هو قاعدة الاشتغال مطلقاً، وذلك لأنه إذا كانت الشبهة مفهومية فالشك يتعلق بمقام الجعل، فإذا دار بين الأقل والأكثر مثلاً فلا مانع من جريان أصالة البراءة عن الأكثر غير المعلوم تعلّق التكليف به، وأما إذا كانت الشبهة مصداقية فالشك يرجع إلى مقام الامتثال بعد وضوح ما هو مجعول شرعاً، ومن المعلوم أن ما يتعلق بمقام الامتثال خارج عن دائرة الجعل الشرعي وإنما الحاكم فيه بالاستقلال هو العقل، وما ليس أمر جعله ووضعه بيد الشارع بما هو شارع فإمر رفعه ليس بيده أيضاً، فلا محل لإجراء حديث الرفع بشأنه، ولذلك كان اللازم تحصيل اليقين ببراءة الذمة عن التكليف المعلوم اشتغال الذمة به.
وبالجملة: المشهور في كلماتهم انقسام الشبهة إلى نحوين: مفهومية ومصداقية.
ولكن قد يقال: إن لهما قسماً ثالثاً هي الشبهة الصدقية، وفي تفسيرها وجهان ..
الوجه الأول: ما يظهر من بعض كلمات الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) [١] من أن المراد بها ما إذا كان المفهوم واضحاً لا إجمال فيه وكذلك كان ما في الخارج معلوماً بخصوصياته، ومع ذلك جهل انطباق المفهوم على ما في الخارج، كما لو كان مفهوم الماء معلوماً وكان هناك ماء مخلوط بكمية من التراب يُعلم مقدارها أيضاً ومع ذلك شُك في صدق الماء على هذا الخليط.
ولكن ذكر المحقق الشيخ حسين الحلي (قدس سره) [٢] أن هذا يرجع في الحقيقة إلى الشبهة المفهومية، لأن منشأ الجهل بالانطباق هو عدم إحراز سعة المفهوم وضيقه، إذ مع فرض المعرفة بحدود المفهوم كيف يمكن الجهل بانطباقه على ما في الخارج
[١] كتاب الطهارة ج:١ ص:٦٧.
[٢] دليل العروة الوثقى ج:١ ص:١٣.