بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٦٥ - ضابط المحاذاة
وبالجملة: كانت سيرة المسلمين في ذلك العصر بل إلى عصر متأخر جارية على الإحرام من المواقيت الخمسة، ويشهد لذلك قول المفيد (قدس سره) [١] : (أن هذه المواقيت هي لجميع أهل الأمصار على اختلاف بلادهم، فإنهم لا يصلون إلى مكة إلا من طريق هذه البلاد، التي جعل رسول الله ٦ المواقيت لأهلها).
فإن المستفاد من كلامه (قدس سره) جريان سيرة الناس إلى عصره على الوصول إلى مكة بسلوك الطرق التي كانت تمر بالمواقيت الخمسة، وكأنه لم تكن هناك طرق معروفة لا تمرّ بشيء منها. نعم لما خربت الجحفة اتجه معظم الحجاج المصريين وغيرهم ممن كانوا يأتون عن طريق البر أو البحر إلى الإحرام من رابغ بدعوى أنه محاذٍ للجحفة. ولكن هذا شيء حصل في عصر متأخر.
والحاصل: أنه لا سبيل إلى استكشاف موافقة الأئمة : على جواز الإحرام من محاذي بقية المواقيت من جهة جريان سيرة العامة عليه، بضميمة عدم بيان مخالفتهم : له، فإنه لا دليل على جريان سيرتهم عليه في عصرهم (سلام الله عليهم).
فالصحيح ــ كما تقدم ــ الاستدلال على جواز الإحرام من محاذي سائر المواقيت بصحيحة عبد الله بن سنان، بالنظر إلى أنه لما كان المعروف في الفقه العاميّ أنه يجوز الإحرام من المحاذي من غير تقييد بميقات ذي الحليفة فالمتفاهم العرفي من صحيحة ابن سنان بملاحظة الجو الفقهي هو كون ما ورد فيها تطبيقاً لكبرى جواز الإحرام من المحاذي ولا خصوصية لذي الحليفة في ذلك، فتدبر.
ثم إن هاهنا أموراً ينبغي الإشارة إليها ..
الأمر الأول: أن السيد صاحب العروة (قدس سره) [٢] ذكر ضابطين للمحاذاة ..
(أحدهما): أن يصل المكلف في طريقه إلى مكة إلى موضع يكون [٣] بينه وبين مكة بقدر ما هو بين الميقات ومكة بالخط المستقيم.
[١] المقنعة ص:٣٩٥.
[٢] العروة الوثقى ج:٤ ص:٦٣٥ــ٦٣٦.
[٣] هكذا ينبغي أن تكون عبارة العروة، ولكن وقع فيها تحريف أشار إليه الشرّاح والمعلقون.