بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٧٤ - حكم تأخير الإحرام إلى الجحفة اختياراً من دون المرور على ذي الحليفة
ظاهرها أن خوف المرض ليس عذراً في تأخير الإحرام من ذي الحليفة, فإن قول السائل: (فخافوا كثرة البرد وكثرة الأيام ــ يعني الإحرام من الشجرة ــ) ظاهر في إرادة أنهم خافوا أن يتمرضوا من جهة شدة البرد مع طول الطريق بين ذي الحليفة ومكة المكرمة, ومع ذلك ورد في الرواية أن الإمام ٧ لم يرخّص لهم في تأخير الإحرام عن ذي الحليفة.
وهذا على خلاف فتاوى الأصحاب والنصوص الأخرى، إذ لا ريب في أن المرض الذي يجوز لأجله تأخير الإحرام عن ذي الحليفة ليس هو خصوص المرض الفعلي، بل المرض الذي ينجم عن الإحرام من ذي الحليفة مثله, والخوف طريق إليه ــ شرعاً أو عقلاءً ــ كما بنى عليه المعظم, ومن هنا التزموا بأن من كان معافى ولكن يخشى حدوث المرض لو صام في شهر رمضان يجوز له الإفطار.
وبالجملة: الرواية تدل على أن خوف المرض ليس مبرراً لتأخير الإحرام عن ذي الحليفة، وهذا ما اتفقت فتاوى الأصحاب وتطابقت النصوص الأخرى على خلافه, ولذلك فإن هذه الرواية غير معمول بها, فلا يعتمد عليها في المقام.
ولكن يمكن أن تدفع هذه المناقشة بأن الذي يستفاد من الرواية هو أنه لا يجوز لمن دخل المدينة المنورة لأداء الحج أن يعدل إلى ميقات ذات عرق بل يلزمه الإحرام من المدينة حتى مع خوف حدوث المرض, وليس المراد به الإحرام من المدينة نفسها، لوضوح أنها ليست من المواقيت, بل المراد الإحرام من الميقات الذي يُحرم منه أهلها, وهم ــ كما مرَّ ــ على قسمين: الصحيح القوي ويلزمه الإحرام من ذي الحليفة, والمريض والضعيف ويلزمهما الإحرام من الجحفة, فقوله ٧ في الرواية أنه: ((من دخل المدينة فليس له أن يُحرم إلا من المدينة)) محمول على إرادة هذا التفصيل وإن لم يصرح به الإمام ٧ ، وعلى ذلك فلا إشكال في مضمون الرواية ليبرّر ذلك طرحها، فليتأمل.
والحاصل أنه لو بني على اعتبار الرواية ــ كما بنى عليه السيد الأستاذ (قدس سره) فيما مضى ــ فالأقرب العمل بمفادها من عدم جواز العدول إلى ميقات آخر غير