بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٩٧ - ٦ مكة المكرمة
اللزوم.
ولكن قد يطرح هنا إشكال، وهو أنه كيف يجوز للفقيه الامتناع عن الفتوى بالحكم الإلزامي مع قيام الحجة عليه، أليس في ذلك مخالفة للعديد من الآيات الكريمة والروايات الشريفة ..
(منها): قوله تعالى [١] : ((فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) .
قال السيد الأستاذ (قدس سره) [٢] : (إنه يدل على وجوب الإفتاء، وذلك لدلالته على وجوب الإنذار، فإن الإنذار قد يكون بحسب الدلالة المطابقية وقد يكون بالدلالة التضمنية أو الالتزامية، وإفتاء المجتهد بالحرمة أو الوجوب يتضمن الإنذار باستحقاق العقاب عند تركه الواجب أو إتيانه الحرام).
و(منها): قوله تعالى [٣] : ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) ، فإن الإحجام عن الفتوى بالحكم الشرعي ــ ولو كان من قبيل الإباحة ــ مع قيام الحجة عليه يُعدُّ كتماناً للهدى فيكون محرماً.
و(منها): معتبرة طلحة بن زيد [٤] عن أبي عبد الله ٧ قال: ((قرأت في كتاب علي ٧ : إن الله لم يأخذ على الجُهَّال عهداً بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهداً ببذل العلم للجُهّال، لأن العلم كان قبل الجهل))، فإنها تدل بوضوح على لزوم بذل العلم على العالم فكيف يجوز للفقيه إخفاء ما يثبت عنده من الأحكام الإلزامية أليس هو من العلم الذي يجب بذله؟!
أقول:
١ ــ أما آية النفر فإن دلَّت على وجوب الإفتاء على الفقهاء في الأحكام الإلزامية فإنما تدل على وجوبها على سبيل الوجوب الكفائي، ولعله لهذا ذكر
[١] التوبة:١٢٢.
[٢] التنقيح في شرح العروة الوثقى (كتاب الاجتهاد والتقليد) ص:٨٦ (بتصرف يسير).
[٣] البقرة:١٥٩.
[٤] الكافي ج:١ ص:٤١.