بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٩٨ - ٦ مكة المكرمة
السيد الأستاذ (قدس سره) [١] في بعض أجوبة مسائله: أن الإفتاء في مسألة ما مع وجود من به الكفاية من المجتهدين غير واجب عيناً.
أي أن الفقاهة كسائر التخصصات العلمية كالطبابة إنما يجب تأمين حاجة الناس إليها على سبيل الوجوب الكفائي، فكما أنه لو وجد مريض وكان هناك من الأطباء من يتصدى لعلاجه لو عُرض عليه لم يجب على الآخرين القيام بهذه المهمة كذلك لو كانت هناك مسألة فقهية ابتلائية ولو للبعض من الناس ووجد من يفتي فيها من الفقهاء لم يجب على الآخرين الفتوى فيها أيضاً، لأن الإفتاء من الواجبات الكفائية كما عرفت.
ولكن يمكن أن يناقش هذا البيان بأنه إنما يتم لو كان هناك من يفتي في المسألة الابتلائية بالحكم الإلزامي ممن هو جامع لشرائط التقليد، وأما مع إطباق الآخرين على الفتوى فيها بالحكم الترخيصي، المفروض كونه على خلاف مقتضى الدليل الاجتهادي عند هذا الفقيه فتتعين عليه الفتوى فيها بالحكم الإلزامي لفرض عدم وجود من به الكفاية غيره.
وبعبارة أخرى: وجود من يفتي في المسألة الابتلائية بالحكم الترخيصي لا يعفي الفقيه القائل بالحكم الإلزامي عن مسؤولية الإفتاء به، لأن الواجب الكفائي هو الإنذار، ومورده كما هو ظاهر الحكم الإلزامي، فلو لم يوجد من يُنذر إلا واحد يتعين عليه ذلك لا محالة.
ففي محل الكلام إذا فرض قيام الحجة الشرعية على اشتراط إيقاع الإحرام لحج التمتع في مكة القديمة وكان الفقهاء الآخرون مطبقين على عدم اشتراط ذلك يلزم من تمت عنده الحجة الشرعية على الاشتراط الفتوى بذلك ولا يسعه التنصل عنها لفرض دلالة الآية المباركة على وجوب الإنذار كفاية وعدم وجود من يتمكن من الإنذار غيره.
هذا والأولى أن يناقش في التمسك بالآية المباركة في المقام بوجه آخر، وهو أن الإنذار لا يتمثل فقط في بيان الحكم الإلزامي، بل عدم الفتوى بالحكم
[١] صراط النجاة ج:٢ ص:٤٢.