بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٧٧ - هل يحرم الخروج من مكة لمن أتى بعمرة التمتع لغير الحج؟
قال السيد الأستاذ (قدس سره) [١] ــ بعد ذكر صحيحة زرارة بلفظيها المتقدمين ــ: (إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الصحيحة السند الظاهرة بل الصريحة الدلالة في ذلك والناهية عن الخروج، كما لا يخفى على من لاحظها).
ولكن ما أفاده (طاب ثراه) لا يخلو من مبالغة، فإنه لا توجد غير ما ذُكر روايات أخرى صحيحة السند يمكن أن يُستدل بها للحرمة، مع أن الروايات المذكورة غير صريحة الدلالة عليها، بل يمكن المناقشة حتى في ظهورها فيها.
وتوضيحه: أن الروايات الثلاث تتضمن جملاً متشابهة، ففي الأولى: ((لا يخرج منها حتى يقضي حجته))، وفي الثانية: ((ليس له أن يخرج من مكة حتى يحج))، وفي الثالثة: ((لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج)). ومبنى الاستدلال بها على حرمة الخروج في حدِّ ذاته هو أن المراد بالخروج فيها هو طبيعي الخروج الذي ينطبق على مجرد التجاوز عن حدود مكة المكرمة لا حصة خاصة منه، وهي الخروج المؤدي إلى ترك الحج.
وأيضاً إن لفظة (حتى) فيها إنما هي بمعنى (إلى) أي أنها غائية لبيان منتهى زمان المنع عن الخروج كما في قوله تعالى [٢] : ((قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى)) . فإنه بناءً على ما تقدم تتم دلالة الروايات الثلاث على منع المتمتع من الخروج من مكة بعنوانه إلى أن يأتي بالحج.
ولكن هنا وجهان آخران ..
أحدهما: كون (حتى) فيها مرادفة لـ(كي) التعليلية كما في قوله تعالى [٣] : ((هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)) ، وحيث إن العلة تخصص كما أنها تعمم فالمستفاد من الروايات المذكورة بناءً على ذلك هو المنع من الخروج الذي يؤدي إلى ترك حج التمتع دون مطلق الخروج. فلو قال الطبيب: (لا تأكل الرمان حتى لا تتأذى بحموضته) فإن المستفاد منه
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الحج) ج:٢ ص:٢٦٧.
[٢] طه:٩١.
[٣] المنافقون:٧.