بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٠٨ - حدود مكة القديمة
والظاهر أن هذا مما لا يوافق عليه العقلاء، ولعل السرّ فيه هو أن العنوان المأخوذ في الخطاب متعلقاً للمتعلق مثلاً إذا كان من قبيل أسماء الأعلام مما هي موضوعة للمعاني الجزئية فإنه ليس وظيفة المقنن أن يأخذ بيد المكلف ويرشده إلى ما ينطبق عليه في الخارج بل أقصى ما هناك هو تحديده له بالأوصاف التي تمنع من اشتباهه بغيره، فإذا تعذر على المكلف تطبيقها على ما في الخارج لفقد الآلة مثلاً لم يكن ذلك متعلقاً بمرحلة الجعل بل بمقام الامتثال الذي يلزم فيه إحراز الفراغ مما علم اشتغال الذمة به من التكليف الإلزامي.
وبعبارة أخرى: إن الوصف الكامل للجزئي هو بمنزلة المفهوم المبين في الكلي، فكما أنه لو كان مفهوم الكلي مبيناً وشك المكلف في انطباقه على ما في الخارج لا يكون شكه متعلقاً بمرحلة الجعل بل بمقام الامتثال كذلك إذا كان الجزئي مبين الوصف ولكن شك المكلف فيما ينطبق عليه في الخارج لا يكون شكه متعلقاً بمرحلة الجعل بل بمقام الامتثال، فيتعيّن فيه الاحتياط.
ففي محل الكلام لما كان من المعلوم أن المراد بمكة القديمة هو الرقعة الجغرافية التي كانت مشتملة على البيوت السكنية في عصر النبي ٦ فيما بين عقبة المدنيين وعقبة ذي طوى فإن عدم تمكن المكلف من تشخيص ما ينطبق عليه الوصف المذكور لضياع معالم المدينة المقدسة بمرور الزمان لا يعني تعلق الشك بمرحلة الجعل بل هو متعلق بمرحلة الامتثال التي تجري فيه قاعدة الاشتغال.
بل يمكن أن يقال: إنه لا حاجة إليها فإن المكان المشكوك كونه من مكة القديمة إذا أحرز عدم كونه منها في ما سبق عصر النبي ٦ فمقتضى الاستصحاب بقاؤه على حاله، فتأمل.