بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٠٥ - حدود مكة القديمة
وعدمه؟ وهل التوقف إلا من جهة عدم معرفة سعة المفهوم وضيقه؟ فإن الشخص حيث كان يتخيل بحسب مرتكزاته أنه عارف بمفهوم الماء سعة وضيقاً ولكن بعد ابتلائه بالماء المخلوط بمقدار من التراب وحصول الشك في الانطباق يتبيّن له عدم معرفته بسعة المفهوم وضيقه، فالشبهة إذاً تعود إلى المفهومية وليست قسماً ثالثاً.
وناقش في ما أفاده بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] بأن الشك في الانطباق مع عدم الإجمال في المفهوم إنما يكون من جهة أن للعرف حق التصرف في مقام التطبيق من غير التصرف في المفهوم، فإن العرف يطلق المنَّ من الحنطة على ما كان ناقصاً بمقدار قيراط واحد إطلاقاً حقيقياً لا مسامحة فيه، وفي المثال يشك في أن العرف هل يطبق مفهوم الماء الذي هو معلوم عنده على ما ألقي فيه التراب بذلك المقدار المعلوم أم لا، فمفهوم الماء معلوم وما في الخارج مشخص أيضاً ولكن مع ذلك يُشك في الانطباق، فهذه هي الشبهة الصدقية.
ولكن هذه المناقشة غير تامة، فإنه لا يمكن الجمع بين عدم التصرف في المفهوم وبين كون الإطلاق على ما ينقص بمقدار قيراط واحد في المثال إطلاقاً حقيقياً، بل هو مسامحي قطعاً ولا عبرة به، وأما ما يلاحظ من اغتفار خلط غرام واحد من التراب مثلاً في كيلوغرام من الحنطة فليس هو من جهة الأخذ بمسامحة العرف في مرحلة التطبيق، بل من جهة أن العرف يرى توسعاً في المفهوم نفسه فيكون الانطباق حينئذٍ من قبيل انطباق المفهوم الواسع على مصاديقه الحقيقية من دون مسامحة، وهذا ما نبّه عليه السيد الأستاذ (قدس سره) في بعض كلماته [٢] ، فليلاحظ.
وبالجملة: الشبهة الصدقية بالمعنى الذي ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) ليست إلا من قبيل الشبهة المفهومية ولا تمتاز عنها بشيء.
الوجه الثاني: ما قد يقال من أن الشبهة الصدقية هي فيما إذا كان الجهل
[١] المعالم المأثورة ج:١ ص:٣٧.
[٢] مستند العروة الوثقى (كتاب الزكاة) ج:١ ص:٢٤ (ط:نجف).